الرأي
الخميس 20 صفر 1439 - 09 نوفمبر 2017
سرقة طويلة والبراري قفار!

الاتهامات المتبادلة بالفساد هي القصة التي لا تنتهي في استراحتنا العامرة، ولذلك فإن مسؤول جمع «القطة» يتم تغييره دائما بسبب الشبهة في الاختلاسات المالية التي قد تظهر على هيئة حزمة نعناع ناقصة، أو اختفاء علب المياه من الثلاجة، أو الاتهام بأن هذه الأشياء لم تدخل الثلاجة من الأساس.

ظلال الشك التي تخيم على استراحتنا تتسبب في كثير من المشكلات التي لا تكاد تهدأ بعد مرور بضعة أيام من دفع الإيجار الشهري، حتى تعاود الظهور مرة أخرى عند اقتراب الشهر من نهايته.

أنا خارج هذه المعادلة لأني قد أخبرت الجميع منذ زمن بعيد أن أقصى مبلغ يمكن أن يعمل فيه ضميري بشكل جيد هو ألفين وخمسمئة ريال، حين يزيد المبلغ عن هذا الرقم فإن ضميري يصبح تحت سيطرة الشيطان بشكل كامل.

ولهذا قررنا في اجتماع شهير دفع أجرة المكان بشكل شهري؛ لأن المبلغ الذي سيجمع شهريا أقل من ألفي ريال، وكانت خطوة جيدة للإصلاح ومدافعة الشيطان الذي يصبح صديقا حميما لجامع «القطة» حين يجمع المبلغ بشكل سنوي أو نصف سنوي.

وبينما نحن نكيل الاتهامات أينا أفسد من الآخر بدأنا نسمع عن الاختلاسات بمبالغ جعلتنا نستنكر على الشيطان حضوره إلى استراحتنا البائسة، وهو يعمل ببراعة لدى آخرين في أماكن أكثر رقيا.

الفكرة التي جعلتنا نغير نظرتنا تجاه بعضنا بعضا، ونعتقد أننا أقرب إلى الملائكة منا إلى الشياطين، كانت تعتمد على مجرد تخيل شكل المليار ريال الذي يتردد ذكره هذه الأيام وكأنه شيء أقل من «قطة» استراحاتنا.

وبحسبة تقريبية تعتمد على ورقة من فئة المئة ريال لأنها الورقة المعتمدة في جمع ميزانية الاستراحة، وبتخيل أن عرض الورقة هو 0.1 مليمتر (عُشر مليمتر) فإن رص أوراق من فئة مئة ريال فوق بعضها للوصول للمليار يعني رص عشرة ملايين ورقة وهذا يعني مليون مليمتر، أي مئة ألف سنتمتر أي ألف متر وهذا يعني مسافة كيلو متر من الأوراق النقدية.

عندما توصلنا إلى هذه «المسافات» آمنا بأن الذي يسرق مسافة كيلومترات من الأوراق لمالية من المال العام لا يمكن أن يسمى فاسدا فقط ويشترك في المسمى مع من يسرق حزمة نعناع من ثلاجة استراحتنا. لا بد أن تعلن أرقام السرقات بالمتر حتى يمكن تخيلها للذين لا يعرفون ماذا تعني كلمة «مليار».

وعلى أي حال..

حين كنت أحلم أن أكون فاسدا في زمن مضى، لم تكن أحلامي ـ حتى وهي أحلام ـ تتحمل سرقة أكثر من مسافة متر واحد من المال العام، وهذا يدل على «دلاختي» المبكرة أكثر من أي شيء آخر. والمشكلة أن هذه المسافة ما زالت كافية لتحقيق بقية أحلامي، وهذا ما يجعلني عاجزا حتى عن تخيل أحلام لصوص الكيلومترات.

@agrni


أضف تعليقاً