الموت في القمة
الاثنين - 20 يوليو 2026
Mon - 20 Jul 2026
يبدأ الإنسان رحلته بخطوة صغيرة، ثم تتسع المسافة بينه وبين نقطة البداية كلما ازداد اجتهاده، وتمتد هناك سنوات الدراسة، وتتوالى الخبرات، وتكبر الأحلام، حتى يغدو الوصول إلى القمة هو الصورة الأكثر حضورا في الخيال، وحين تتحقق تلك الصورة يخيل إليه أنه بلغ نهاية الرحلة، بينما يكون قد وصل إلى أكثر محطاتها حساسية؛ فالقمة ليست اختبارا للقدرة على الصعود، وإنما امتحان لطبيعة الحياة بعد الصعود.
والمفارقة أن الطريق إلى الأعلى يمتلئ بالحركة، أما القمة فتغري بالسكون، ففي الطريق يتعلم الإنسان من منافسيه، ويصحح أخطاءه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويكتشف في كل مرحلة حدودا جديدة لقدراته، وحين يستقر في موقعه يبدأ إيقاع مختلف؛ تتكرر الأيام بالوتيرة نفسها، وتتشابه القرارات، ويغدو الإنجاز السابق مرجعا دائما، فتتحول الحيوية التي صنعت النجاح إلى ذاكرة يستند إليها صاحبها كلما أراد تفسير حضوره.
ولهذا السبب يشهد التاريخ مؤسسات فقدت بريقها وهي في ذروة قوتها، وشركات امتلكت السوق ثم تراجعت، وعلماء توقفت مشاريعهم الفكرية بعد أشهر الإنجازات، وقادة انتهت قدرتهم على الإضافة في أكثر مراحلهم نفوذا، ولم يكن العائق نقصا في الإمكانات، وإنما تبدل العلاقة مع الزمن؛ فالمستقبل الذي كان مساحة للاكتشاف أصبح مساحة للحفاظ على المكتسبات، وتغيرت لغة التفكير من صناعة الجديد إلى صيانة القديم.
وتتبدل كذلك طبيعة الأسئلة، ففي البدايات ينشغل الإنسان بما ينبغي أن يتعلمه، ثم تصبح الأسئلة مرتبطة بما ينبغي أن يحافظ عليه، وبين السؤالين مسافة واسعة؛ فالأول يفتح الأبواب، والثاني يراقبها، وكلما ازداد الانشغال بالحراسة، ضاقت مساحة المغامرة الفكرية، وخفتت الرغبة في التجريب، واستقر العقل داخل حدود اعتادها حتى فقد دهشته الأولى.
ويشارك المحيط في صناعة هذه الحالة؛ فالمكانة الاجتماعية تمنح صاحبها احتراما واسعا، كما تمنحه طبقة كثيفة من المجاملات، فيقل الاحتكاك بالنقد الصادق، وتبهت الأصوات التي كانت تكشف مواطن القصور، وتغيب الأسئلة المزعجة التي طالما أسهمت في تطوير الأفكار، وعندئذ يصبح الإنسان أكثر اقترابا من صورته التي رسمها الآخرون، وأبعد قليلا عن صورته التي كان يصنعها بنفسه.
والحياة في جوهرها حركة متصلة؛ فالنهر يحتفظ بعذوبته لأنه يجري، والهواء يتجدد لأنه يتحرك، والعقل يزدهر لأنه يعيد النظر فيما يعرفه، أما الثبات الطويل فيصنع طبقة خفية من الجمود، مهما بدا المكان مرتفعا، ولذلك قد يجتمع الارتفاع مع التوقف في لحظة واحدة، وقد يحمل أعلى المواقع أول إشارات الأفول حين تغيب الرغبة في تجاوزها.
إن الموت في القمة ليس حدثا يقع عند بلوغها، وإنما حالة تنشأ حين تتحول القمة إلى عنوان دائم، ويغدو الوصول آخر الأهداف، أما الذين يواصلون اكتشاف آفاق جديدة، ويعاملون كل إنجاز بوصفه بداية، فإنهم يغادرون كل قمة قبل أن تتحول إلى إقامة طويلة، ويبقون أحياء في رحلة لا تنتهي، لأن الحياة لا تقاس بارتفاع المكان الذي يقف فيه الإنسان، وإنما بقدرته على صناعة أفق جديد كلما ظن أنه بلغ النهاية.