وليد الزامل

التخطيط العمراني واختزال المفاهيم

الأحد - 19 يوليو 2026

Sun - 19 Jul 2026



لدي اعتقاد راسخ أن أكبر التحديات التي تواجه منظومة التخطيط العمراني اليوم هي هشاشة استيعاب المفاهيم لدى البعض؛ حينما يتم التعامل مع العديد من المصطلحات بسطحية بسيطة تخرجها من سياقها الأصلي. أكثر ما يقلقني تسطيح هذه المفاهيم أو اختزالها في قوالب هشة أو صياغات معلبة، وهذا لن يساهم في بناء مجتمعات وتحقيق غاية تخطيط المدن. للأسف، الخطاب العمراني المعاصر تسللت له عادات فكرية سطحت بعض المفاهيم العميقة واختزلتها في مرادفات المعنى المباشر أو الترجمة الحرفية. ولعلي أسوق لكم بعض الأمثلة من واقع التجربة البحثية على النحو التالي:

أولا: المدينة الذكية، هي عند البعض مجرد حساسات وكاميرات مراقبة ومنصات ذكاء اصطناعي وبيانات رقمية. وهي سباق للتحول نحو التقنية المتقدمة في ظل غياب السؤال الجوهري الذي يفكك هذا المفهوم ويتمحور حول: لماذا نريد أن نتحول إلى مدينة ذكية؟ وما هي الغاية من هذا التحول؟ اختزال هذا المفهوم العميق أدى إلى انحسار أهداف الفكرة الأصلية لتستبدل بمشهد زائف يبتلع فكرة المدينة ويخرجها من سياقها الحضري؛ فبدلا من أن توظف المدينة التقنية لخدمة الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ أصبح منظور المدينة الذكية يميل نحو مؤشرات استخدام التقنية نفسها في المدينة.

ثانيا: مفهوم أنسنة المدن، هذا المصطلح الذي ما فتئ البعض يختزلونه في الأرصفة الواسعة، والمناطق الخضراء، متناسين أن هذه العناصر يفترض أن تكون جزءا أصيلا من مكونات الحي السكني. وعليه فإن توفير الخدمات الأساسية والأرصفة هو مجرد استكمال لعناصر كانت منقوصة في منظومة الحي السكني. السؤال الأهم: لماذا كانت هذه العناصر العمرانية غير مكتملة في الحي السكني؟

ثالثا: المشهد الحضري، يفسره البعض بالتحسينات البصرية وتوحيد ألوان الواجهات واللوحات الإعلانية. في حين أن المشهد الحضري يعبر عن التجربة التي يعيشها الإنسان في المدينة، والتي تتجاوز فكرة الجماليات لتنحو باتجاه مدى تفاعل الإنسان مع المدينة، بما في ذلك سهولة النقل والنشاط الاقتصادي والبعد الثقافي.

رابعا: عمران الطاقة، وهو مفهوم غالبا ما يتم اختزاله في مدى قدرة المدينة على استخدام ألواح الطاقة الشمسية والبدائل الصديقة للبيئة. دون أن نسأل كيف نخطط مدنا تقلل من احتياجنا للطاقة؟ وكيف يمكن أن نعزز من أنظمة النقل، ونطور التشريعات العمرانية؟ بما يساهم في إدارة وترشيد أنظمة الطاقة. في الحقيقة، لا يمكن تطوير أدوات تحفز من استخدام أنظمة الطاقة البديلة إذا كان تخطيط المدينة نفسه لا يؤكد على مبدأ ترشيد الطاقة والحفاظ على الموارد غير المتجددة.

رابعا: مفهوم الاستدامة، وهو مفهوم يتم اختزاله في كثير من الأطروحات بالحفاظ على البيئة وإعادة تدوير النفايات واستخدام المياه المعالجة. بينما يركز هذا المفهوم في جوهره على تحقيق العدالة البيئية، وبناء اقتصاد متوازن ومجتمع قادر على استهلاك الموارد بكفاءة، مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الأجيال القادمة.

خامسا: مفهوم جودة الحياة، اختزل كثيرا في توفير الحدائق العامة والمسطحات الخضراء، دون استيعاب تام لمتطلبات الشرائح الاجتماعية والغاية الأسمى للحياة، فكبير السن على سبيل المثال يسعى للعيش بصحة ولأطول فترة ممكنة؛ أما الشاب فيسعى للزواج وتكوين أسرة والحصول على مسكن ميسر. وهكذا فالمفهوم يؤكد على توظيف البيئة العمرانية لتعزيز حياة أفضل للمجتمع بما في ذلك الصحة، والتعليم، وتوفير فرص عمل.

باختصار، فهم المصطلحات واستيعابها بشكل شمولي هما الخطوة الأولى لحلول عمرانية ناجعة.