شاهر النهاري

اليمن يستعيد صوته وهيبته

الثلاثاء - 14 يوليو 2026

Tue - 14 Jul 2026


من أغرب المفارقات السياسية في الشرق الأوسط أن إيران، وكلما اشتدت عليها الضغوط الداخلية والخارجية، تتخبط أكثر في سياساتها، وتزيد التوترات في محيطها العربي.

والمنطق السياسي الغائب هنا يقول إن الدولة التي تواجه تحديات كبيرة يفترض أن تتجه إلى ترميم علاقاتها مع جيرتها، والاستثمار في الدبلوماسية جسرا لعبور أزماتها، ما يعكس أزمة رؤية قبل أن يعكس أزمة نفوذ.

هذا السلوك العدائي هو الذي يجعل المنطقة المحيطة بإيران تعيش حالات من القلق المستمر، لأن الأزمات لا تبقى داخل الحدود الإيرانية، بل تمتد آثارها إلى الجيرة الخليجية والعراق والأردن ولبنان واليمن وغيرها من الساحات التي أصبحت، بدرجات متفاوتة، مسارح لا منطقية لصراعات النفوذ.

إن أي تحرك شاذ يثير الشبهات أو يوحي بتجاوز سيادة دولة عربية لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عابرة، بل باعتباره جزءا من أزمة دولة فارسية أعمق تتعلق بمفهوم الجيرة واحترام سيادة الدول وحدودها.

ومن هنا اكتسب الموقف الذي اتخذته الحكومة اليمنية الشرعية لمنع عودة الطائرة القادمة من طهران أهمية خاصة.

فقد جاء قرار الشرعية ليؤكد أن الدولة اليمنية تحتفظ بحقها الكامل في حماية مجالها الجوي، وفي تنظيم حركة الطيران وفق القوانين والأنظمة التي تراها مناسبة لصلاحياتها، كون السيادة ليست عنوانا سياسيا يردد في الخطب، بل ممارسة عملية كينونة تتجلى حين تتطلبها اللحظة الوطنية.

لقد شعر كثير من محبي اليمن أن هذا الموقف يعيد شيئا من صور اليمن العزيزة العريقة، التي عرفها التاريخ؛ بأنه وطن عربي كريم يستعصي على الغزاة.

حدث تاريخي عظيم القيمة صدر بقرار يمني خالص، يعبر عن إرادة الدولة ومؤسساتها، ويؤكد أن اليمن قادر على التشافي، والدفاع عن مصالحه الوطنية انطلاقا من تقديره لشعبه وترابه وقراره، ويعيد الاعتبار لهيبة القرار اليمني المستقل.

رسالة عز تقول إن اليمن يريد أن يكون دولة سلام لا ساحة صراع، وأجواء تنمية لا ميدانا لتصفية الحسابات الإقليمية وإشعال الفتنة المذهبية، دولة تبني علاقاتها مع المحيط العربي، والأصدقاء، بحرية المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا بالبناء على التدخلات أو فرض النفوذ.

إن أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم هو إدراك جميع القوى أن زمن التوسع عبر الأزمات لم يعد يصنع استقرارا، وأن أمن الخليج وأمن اليمن وأمن العراق ولبنان والأردن حلقات مترابطة، وأن احترام سيادة الدول ليس خيارا سياسيا مؤقتا يتم التلاعب به، بل بكونه أساس أي نظام إقليمي قابل للحياة.

ويبقى اليمن، بما يحمله من تاريخ عريق وموقع استراتيجي وإنسان يستحق الحياة، أكبر من أن يكون ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

وكل خطوة في مساره تعزز استقلال قراره الوطني، وتقربه من الأمن والتنمية والاستقرار، هي خطوة تستحق التقدير والدعم.

وما جرى أمس، بصرف النظر عن تفاصيله المتداولة، أعاد إلى كثير من العرب شعورا بأن الدولة اليمنية ما زالت قادرة على أن تقول كلمتها وتحمي هيبتها وسيادتها، وأن تفتح باب الأمل أمام مستقبل يتسع لليمنيين جميعا، ويعيد لهذا الوطن السعيد مكانته التي يستحقها بين أشقائه العرب.

shaheralnahari@