نيفين عباس

وتظن أنك نجوت

الخميس - 16 يوليو 2026

Thu - 16 Jul 2026

تظن أنك نجوت؛ لأنك لم تعد تبكي حين يذكر اسمه، أو لأن قلبك لم يعد يرتجف كلما مررت بالمكان الذي كسرك يوما، أو لأنك أصبحت تبتسم أكثر وتنام أسرع وتقول للآخرين بثقة "أنا بخير."، لكن النجاة ليست أن يتوقف الألم عن الصراخ بل أن يتوقف عن الاختباء، ثم فجأة يأتي موقف صغير كأغنية قديمة أو رائحة عابرة أو كلمة قالها شخص لا يعرف شيئا عن قصتك، فيعود كل شيء كما لو أنه كان ينتظرك خلف الباب، حينها تدرك أن ما ظننته شفاء كان مجرد هدنة.

نحن بارعون في إقناع أنفسنا بأننا تجاوزنا لأن الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف طويلا، نذهب إلى عملنا، نضحك مع أصدقائنا، نخطط للمستقبل، ونعتقد أن الماضي انتهى لكنه أحيانا لا ينتهي، بل يغير مكانه بداخلنا، بعض الجراح لا تؤلم كل يوم، لكنها تعيش فينا بهدوء، حتى تجد اللحظة المناسبة لتذكرنا بأنها لم تغادر وتخرج من جديد.

ربما النجاة الحقيقية ليست ألا تعود الذكرى، بل أن تعود فلا تهدمك، أن تتذكر ولا تتمنى الرجوع، أن تشعر بالحزن دون أن تفقد نفسك، أن تنظر إلى النسخة القديمة منك بحنان لا بندم، لأن الإنسان لا ينجو حين ينسى بل ينجو حين يصبح الماضي جزءا من حكايته لا سجنا يعيش فيه، عندها فقط لن تحتاج أن تقول "لقد نجوت" لأن قلبك سيعرف ذلك حتى لو لم ينطق به.

نحن نخاف من مواجهة بقايا الألم، لأننا نظن أن العودة إليه تعني أننا لم نتقدم خطوة واحدة، والحقيقة أن الشفاء ليس طريقا مستقيما، بل رحلة مليئة بالالتفافات التي قد تتعثر بها في الموضع نفسه أكثر من مرة، لكنك في كل مرة تقوم وأنت أكثر فهما لنفسك، وأكثر قدرة على احتواء ما تشعر به، لذلك لا تجعل عودة الذكرى دليلا على أنك خسرت معركتك، فالذكرى قد تعود لكنك لست الشخص ذاته الذي يستقبلها كأول مرة، فبين الأمس واليوم نضج لم يكن موجودا من قبل، وخبرة لم تكن لديك، وقوة صنعتها الأيام داخلك بصمت حتى وإن لم تلحظها.

النجاة الحقيقية ليست أن تمحو الماضي من ذاكرتك تماما، فبعض الأشياء لا تمحى، ولا ينبغي لها أن تمحى، بل النجاة أن تتذكر دون أن تنكسر، وأن تنظر إلى ما حدث باعتباره درسا أو فصلا من حياتك لا عنوانها كله، أن يصبح الماضي شاهدا على قوتك في الحاضر لا سجنا تقضي بقية عمرك داخله، حين تصل إلى هذه المرحلة وقتها ستدرك أن النجاة لم تكن لحظة واحدة، بل كانت مجموعة من الانتصارات الصغيرة التي حققتها كل يوم دون أن تنتبه، حينها ستبتسم لأنك ستفهم أن النجاة لا تعني ألا تشعر بالألم أبدا، بل النجاة أن الألم لم يعد قادرا على سرقة حياتك مرة أخرى من جديد.

NevenAbbass@