السوق السعودي نمو وازدهار
الثلاثاء - 14 يوليو 2026
Tue - 14 Jul 2026
ليس من الإنصاف أن يحاكم اقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي بسبب رقم جرى تداوله خارج سياقه أو مصطلح أسيء فهمه، فقد أثار خبر «إفلاس 64 شركة خلال شهر يونيو» موجة من القلق، بينما الحقيقة مختلفة تماما، فما تم تداوله لا يتعلق بإفلاس هذه الشركات، وإنما بطلبات للاستفادة من إجراءات الحماية من الإفلاس، وهي آلية قانونية حديثة تمنح المنشآت المتعثرة فرصة لإعادة تنظيم أوضاعها المالية، والاستمرار في ممارسة أعمالها، وحماية حقوق جميع الأطراف.
هذه الإجراءات ليست دليلا على انهيار السوق، بل هي من سمات الاقتصادات المتقدمة التي تملك أنظمة تشريعية متطورة لمعالجة التعثر المالي، لذلك فإن الخلط بين «الإفلاس» و «الحماية من الإفلاس» لا يعكس الحقيقة القانونية ولا الاقتصادية، وإنما يعكس ترجمة غير دقيقة لمصطلحات عالمية.
لو افترضنا جدلا أن الرقم يمثل حالات إفلاس فعلية، فهل يمكن أن يكون 64 رقما مقلقا في اقتصاد يضم أكثر من 1.86 مليون سجل تجاري قائم؟ طبعا لا. فمثلا إفلاس مطعم مقابل مئات المطاعم المشابهة تجني أرباحا وتتوسع، فهذا لا يعني أن العيب في السوق وإنما ظرف ذلك المطعم حالة طبيعية أفلس لأي سبب كان، وكذلك الحال لشركات المقاولات والسياحة وغيرها.
الشهر الماضي الذي شهد تداول هذا الرقم، شهد أيضا إصدار نحو 23 ألف سجل تجاري جديد، في حين تجاوز عدد السجلات التجارية الجديدة في الربع الرابع من عام 2025 وحده 123 ألف سجل. هذه ليست مؤشرات اقتصاد يتراجع، وإنما اقتصاد تتوسع فيه الأعمال باستمرار، وتتزايد فيه المبادرات الاستثمارية، وتتسع فيه قاعدة القطاع الخاص عاما بعد عام.
الاقتصادات الكبرى لا تقاس بعدد المنشآت التي تتعثر، وإنما بقدرتها على إنتاج منشآت جديدة، وجذب الاستثمارات وخلق الفرص، فالتعثر جزء طبيعي من دورة الأعمال في كل دول العالم، لكن المعيار الحقيقي هو قدرة السوق على تعويض ذلك التعثر بمزيد من النمو، وهو ما يحققه الاقتصاد السعودي بوضوح.
أوضح دليل على الثقة العالمية بالسوق السعودي هو استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة حتى تجاوز رصيدها تريليون ريال، مع تسجيل زيادات كبيرة خلال عامي 2024م و2025م بأكثير من 100 مليار ريال لكل عام. المستثمر الأجنبي لا يضخ مليارات الريالات في اقتصاد يفتقد الثقة أو يعاني ضعفا هيكليا، بل إن المستثمر يبحث عن الاستقرار، ووضوح التشريعات، وقوة الفرص الاستثمارية، وهي عناصر أصبحت المملكة تمتلكها بجدارة، وهذا كله بعد أن يدرس المستثمر الأجنبي السوق والفرص بشكل كبير واحترافي.
ولا يقتصر الأمر على الاستثمار المباشر، بل تمتلك المملكة أيضا سوقا مالية جاذبة للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة التي تجاوزت نصف تريليون ريال، وهو ما يعكس عمق السوق المالية السعودية وثقة المستثمرين العالميين به.
الصادرات غير النفطية تجاوزت نصف تريليون ريال سنويا خلال السنوات الثلاث الماضية، في مؤشر واضح على نجاح مسيرة تنويع الاقتصاد، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، ورفع تنافسية المنتج السعودي في الأسواق العالمية.
اختزال المشهد الاقتصادي في رقم واحد، أو التعامل مع حالات محدودة على أنها مؤشر على ضعف الاقتصاد، لا يعكس قراءة اقتصادية موضوعية، فكل اقتصاد حي يشهد دخول منشآت جديدة وخروج أخرى، لكن المهم هو الاتجاه العام، وهذا الاتجاه في المملكة واضح وصاعد.
السوق السعودي أصبح اليوم واحدا من أكثر الأسواق نموا وجاذبية في المنطقة، مدعوما بإصلاحات اقتصادية غير مسبوقة، وتوسع في القطاع الخاص، وبيئة استثمارية متطورة ومشروعات عملاقة، وزيادة مستمرة في تدفقات الاستثمار المحلي والأجنبي.
ومن الخطأ أن ننشغل برقم يمثل نسبة ضئيلة للغاية من حجم النشاط الاقتصادي، بينما نتجاهل ملايين السجل ات التجارية، وعشرات الآلاف من السجلات الجديدة، والاستثمارات التي تتجاوز التريليون ريال، والصادرات غير النفطية التي تواصل تسجيل أرقام تاريخية.
السوق السعودي لا يحتاج إلى الدفاع بالعواطف، فالأرقام هي التي تتحدث عنه، والأرقام تقول بوضوح إن المملكة تبني اقتصادا أكثر تنوعا، وأكثر قدرة على النمو، وأكثر جاذبية للاستثمار. أما الأخبار المجتزأة، مهما انتشرت، فلن تغير من حقيقة أن السوق السعودي يسير بثقة نحو مستقبل اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
Barjasbh@