ياسر عمر سندي

طريق الوصول إلى الحكمة

الأربعاء - 31 أغسطس 2022

Wed - 31 Aug 2022

تشرفت قبل أسبوعين بدعوة كريمة لحضور ندوة بعنوان «تصميم وبناء الفكر وتكوين الثقافة»، والتي قدمها المدرب القدير سعادة الدكتور علي شراب مؤسس منهج «الطريق إلى الحكمة»، والتي ركز من خلال تلك الأمسية على البنية الثقافية للإنسان وكيف ينتقل من مرحلة التنقيب الفكري بالمعرفة إلى الواقع العملي بالسلوك.

ابتدأ لقاءه بعد التعريف واستعراض محاور الندوة بتوجيه سؤال استكشافي للحضور ماذا تعني الثقافة من وجهة نظركم؟ بطبيعة الحال أجاب الجميع كلٌ من منظوره ورؤيته وخلفيته وتخصصه وتنشئته التربوية والتعليمية والمجتمعية التي تكونت معه وكونت له الإجابة التي طرحها.

في رأيي كان سؤالا ذكيا لجس النبض العام واستنطاق الفكر الجمعي الكامن لاستقراء الجميع بمدى فهمهم واستيعابهم لمعنى فلسفة الثقافة.

هذا السؤال كان مفتاحا لشرح كيفية التدرج الثقافي الإنساني والذي يبدأ من أساس «التصميم» وهي الخارطة المسلكية التي تقود الإنسان لتلمس المداخل والمخارج التي تمكنه من تشييد ذلك «البناء» بتجسيد هيكلية التصميم للأدوار والمرافق والمساحات المراد تعبئتها فوق تلك الخارطة وصولا لأعمدة المبنى وصلابته وهو «الفكر» الرصين الذي يدعم قواعد البناء دينيا وعقديا إلى أن يصل الإنسان لما يسمى بمرحلة «التكوين» التام وهو الاستعداد لما قبل المرحلة الأخيرة لقيام المبنى وهي مرحلة الإخراج الإبداعي للفكر الإنساني بالسلوكيات اللفظية والفعلية والإيمائية وهي «الثقافة» لتترجم المكتسبات الحقيقية لصناعة كرامة الإنسان بالوعي الإيجابي المدرك المعنوي والمادي لتحقيق فلسفة الاستخلاف وإعمار الأرض بالعمل على ما يختزله العقل في قمته وهي مرحلة طرح الحكمة مصداقا لقوله تعالى في سورة الإسراء الآية 70 (ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا).

هذا التكريم الخاص لبني آدم كأفضل مخلوق من رب المخلوقات لتمييزه في قدراته الاستدلالية بالعمليات العقلية العليا بالفهم والإدراك والاستيعاب والتحليل والربط لدفعه على جلب أنواع الرزق بحسن الاختيار وأخذ القرار وهو التبصر والعمل بالبصيرة.

يرى الدكتور علي أن الثقافة حق مشروع لكل إنسان يجري عليه القلم يستطيع أن يصنع الأمم واقترح نموذجا رائعا لخارطة بناء الثقافة من خلال عرضه لخطين الأول أفقي أسماه «المعرفة» والثاني رأسي سماه «الدليل» ومن هذين الخطين توجد نقطة التقاء وانطلاق تتسعان لرحلة الإنسان لتكوين الثقافة في المحطة الأخيرة، حيث يقوم في أول مرحلة بتجميع البيانات الخام وتركيبها ليصل إلى معلومة مفيدة تدعمه ليبني خبراته وتجاربه فتتكون لديه المعرفة التي يعززها بالاقتناع وهو التصديق والاحتفاظ الذي يرسخ قناعاته ويؤكدها وهي مرحلة التبني الجاد لتصبح اعتقادا ضمنيا من الصعب التخلي عنه لتتشكل شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع ذاته أولا ومن ثم رب البشر والبشر والحجر والشجر والحيوانات والحشرات وسائر المخلوقات، وهي قمة الوعي الثقافي في تقبل المتغيرات واحتواء الاختلافات ليصبح لائقا ومؤهلا في اختياراته وقراراته المبنية على الحكمة.

في هذه الأسطر لم يسعفني الرأي ولا الطرح ولا حتى المساحة الممنوحة لي في هذا الحيز الصحفي أن أعطي موضوع الندوة حقها من رشاقة الفكر الشمولي الناضج من صاحب المنهج الذي قادنا إلى تجربة جميلة بجمال روحه وعذوبة فكره.

قال عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها».

في نهاية المقال لا يسعني إلا الشكر والعرفان إلى هذا الإنسان الحكيم الدكتور علي شراب وأقول «نحن وجدنا ضالتنا بالإيمان أن الوصول إلى طريق الحكمة يبدأ من عقلية الإنسان».

[email protected]