X
راجح عبدالعزيز الحارثي

دينامية الإعلام السعودي - التحديات والفرص والمخاطر

الاحد - 15 مايو 2022

Sun - 15 May 2022

أحرص دائما على متابعة إعلامنا السعودي، ومن وقت لآخر أمعن النظر فيه، وأتتبع خطى بعض رموزه الذين يعكسون بعض واقعه وينقلون همومه المهنية والتحديات التي تواجهه! وخلال الشهور الماضية، اطلعت على بعض ما يطرحه الأستاذ موفق النويصر رئيس تحرير صحيفة «مكة»، خصوصا مقالاته التي تحدث فيها عن هموم «مؤسسات الصحافة والنشر» والتي كان آخرها مقال «هل تثق وزاراتنا بالإعلام المحلي كثقة (ولي العهد) به؟» الذي نشر يوم السبت 19 مارس 2022.

وهذا المقال هو الوحيد الذي تفاعلت معه عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، فعلقت عليه بقولي «لعل وعي مسؤول، أن يسمع نقر الطبول.. مطالب عجزت تقول: (الحلول.. كم ستطول!)». ثم بدأت أفكر بموضوعية في محتوى هذا المقال وأيضا ثلاث مقالات أخرى سبقت لنفس الكاتب عن «مؤسسات الصحافة والنشر» وعلاقتها بوزارة الإعلام.

وفيما يظن الكثيرون أن لدينا أزمة ومشكلة في قطاع الصحافة والنشر، أجد أني مضطر أن أكتب حول الوضع الحالي؛ لأني أؤمن أن المشكلة لدينا لا تنحصر فقط في «قطاع الصحافة والنشر» فحسب، بل إن المشكلة لدينا متجذرة بشكل عميق في جميع قطاعات الإعلام المتعددة والمختلفة، وإنها تمتد إلى قطاعات صناعته وتشمل امتداداته الرأسية «العمودية» والأفقية، وتشمل تداخلاته المتشابكة في أجهزة ومؤسسات الدولة، ويشمل ذلك مسؤولية أطيافه الاجتماعية والتأثير في الخطاب سواء الذي يمثل الدولة أو حتى الذي يمثل الثقافة المحلية ويعكس واقع القضايا والمستجدات في الشأن المحلي وأيضا العالمي.

ولو أردنا اليوم حصر بعض الأسباب المهمة التي نعزو الإخفاق والتقصير إليها، سنجد أن هناك فراغا معرفيا وتقنيا هائلا حدث في شتى القطاعات الإعلامية عالميا، ولم تحدث له مواكبة واستيعاب لدينا مما أدى إلى تخلف الركب المحلي المؤسسي في السنوات العشرين الماضية، وبالرغم من أن هناك محاولات سابقة للتحسين إلا أنها لم تتمكن من وضع يدها على مكامن الخلل، مما أثر على الأداء، وأيضا أسهم في ضياع الفرص ناهيك الحديث عن الهدر التجميلي الذي عجز عن إيجاد حلول ناجعة وبالتالي نواصل الإخفاق في إحداث نقلات تنتشل إعلامنا من الواقع الحالي إلى الواقع الذي يجب أن نكون عليه.

الإخفاق اليوم في الإعلام السعودي هو إخفاق جوهري، لا نستطيع مواصلته عبر النظرة التقليدية التي تقوم على المقارنة بين صرحين متماثلين محليا أو إقليميا، فقد حدث ثورة معلوماتية وتقنية غيرت المفاهيم الأساسية للهرم الإعلامي وتعريفاته وبالتالي طرق تقييمه والمقارنة، وهذا «النمو والتطور» يتطلب معرفة ووعيا وإلماما عميقا يتجاوز المعرفة التقليدية التي تقوقع إعلامنا فيها عبر قوالب التعريف بالإعلام المرئي والمسموع ومفاهيم الإذاعة والتلفزيون والتقسيمات النمطية. عالميا الإعلام تطور استراتيجيا وانتقل من القوالب التقليدية إلى المنظومات الرقمية التي أصبحت تجتاز الحدود الجغرافية والثقافية وتنافس المفاهيم المحلية ولا تعترف بعوائق اللغات أو حتى الثقافات.

التغير الاستراتيجي الذي حدث في الإعلام ألغى المفاهيم التقليدية «إعلام داخلي وخارجي»، فإعلام اليوم هو منظومة تقوم على العالمية وعلى البنى الرقمية، والإعلام كله أصبح يعتمد على مفهوم موحد وهو ما يطلق عليه «المحتوى» بغض النظر عن صيغة ونمط المادة سواء كان محتوى مرئيا أو نصيا أو محتوى مسموعا.

ولقد تطور المحتوى في تنوعه؛ ليكون له مدارس إعلامية مثل: الترفيه والأخبار والثقافة والدولة والحكومة المحلية والسياحة والفن وغيرها من الأنماط الاستراتيجية التي تواكب العصر الرقمي وإنسانه السريع. اليوم إذا ما أردنا أن نقارن، لا نستطيع سوى المقارنة في المحتوى، الإعلام المحلي والإعلام العالمي. وعليه، الإعلام الذي بين أيدينا يجب أن يُصنع ليكون محتوى يرقى إلى العالمية الرقمية وذا قيمة معرفية وتنافسية.

اليوم إذا ما نظرنا إلى رؤية السعودية 2030، يستطيع العارف فهم جوهرها. جوهرها الذي يعتمد على خلق منتجات وخدمات ومنافع جديدة، سواء كانت في الصحة أو الاقتصاد أو الترفيه أو السياحة أو الاستثمار أو الصناعة.. إلخ.

هذه المنتجات جميعها وبكل التحديات التي تحتويها وتقدمها، وبكل الإنجاز، تحتاج منا إلى خلق خطط وبرامج تواصل استراتيجية إعلامية تكون طموحة وذكية وبناءة وتكون ملهمة! خطط تواصل تواكب العالمية وتنافس تلك العالمية التي تنافس محليتنا!

إن الإخفاق في فهم الدور الجوهري لـ«الإعلام» يؤدي إلى إخفاق أخطر متمثل في شتات وضبابية الصورة الذهنية التي يجب أن نبنيها ونحافظ عليها وننميها، تلك الصورة التي تؤثر في القوى الناعمة لدينا، والتي من أهمها رؤية المملكة 2030 وكل ما تصبو إليه الرؤية لخلق السعودية العصرية وإنسانها الواعي والقادر والطموح باقتصاده القوي وإعلامه المهني ومجتمعه العريق والراقي المتمكن الذي يستطيع أن يقود خطابا معرفيا واعيا ويكون مستبقا للأحداث والأزمات ويتفاعل بشكل استراتيجي.

ولكيلا أسهب كثيرا في هذا المنوال، إعلامنا السعودي اليوم برؤية المملكة 2030 لا يستطيع مواكبتها.. عاجز عن الرقي إلى مستواها، وعاجز عن المضي بسرعة وتيرتها. مع الأسف، الحقيقة مرة، بسبب العجز الإعلامي لدينا، أصبح في كل وزارة مركز إعلامي! فيما أن المفترض والصحيح أن تكون وزارة الإعلام هي من ترى المشهد الكامل وتقوده من ضمن خططها الاستراتيجية، تلك الخطط التي يجب أن تكون مبادرة دائما وتسبق فيها التوقعات وتنقل من خلالها المعرفة والمهنية العالية التي تعكس رؤية المملكة 2030 في كل تفاصيلها وتتخندق حولها.

فوزارة الإعلام هي القلب النابض لجسم الدولة الذي من المفترض أن يضخ دماء المحتوى بفاعلية إلى مؤسسات الدولة، فاعلية استباقية تستجيب للمراحل والمستجدات تسبق وتؤثر بشكل استراتيجي يقوم على فهم دورها الجوهري والذي يجب أن تترجمه عبر خلقها لخطط التواصل الاستراتيجية لمملكة 2030 وإنساننا ومؤسسات الدولة ومجتمعنا وقوانا الناعمة.

وفيما قد يظن البعض أني أكتب لتوجيه النقد إلى وزارة الإعلام والقائمين عليها، إلا أني أود الإيضاح والتنويه أن الوضع الحالي ما هو إلا محصلة تراكمية، وهو ليس وليد هذا العصر، ويحدث أن تشيخ المؤسسات وقد يتطور الأمر إلى فجوات في المعرفة القيادية والتي تؤثر في البيئة والأهداف وحتى الأداء.

هذا المقال ليس إلا مدخل مبسط إلى ما سيتبع في الأسابيع القادمة، عبر سلسلة من المقالات، سأحاول من خلالها تسليط الضوء على بعض مصادر التحول التي تؤثر في الإعلام بشكل مباشر، لنفهم التحول الاستراتيجي في القطاعات المختلفة والمهمة، والتي تسهم بشكل محوري في إعادة صياغة وبناء المحتوى والإعلام لدينا، وذلك من خلال استعراض بعض التجارب العالمية، وأيضا الحديث عن بعض الأسس المهمة حول الإعلام وقطاعاته المتعددة، وبعض الأمور التي تؤثر في فهمنا لدوره الاستراتيجي.

@AlHarithi_Rajeh