X
زيد الفضيل

قمة العشرين النموذج الأممي الجديد

الجمعة - 20 نوفمبر 2020

Fri - 20 Nov 2020

مع تولي المملكة رئاسة قمة العشرين العالمية، أخذت العجلة في الدوران بشكل حثيث، فالقمة ليست كغيرها من القمم، بل هي قمة كل القمم، بما تعكسه من مضامين سياسية واقتصادية وإنسانية وثقافية، ولذلك فلا يستغرب أحد حين يقرأ أخبارا من هنا وهناك تشير إلى القمة كسبب في اجتماعها، وليس الأمر متوقفا على وطننا الغالي، بل هو منعكس بتأثيراته إلى كل أرجاء إقليمنا العربي، الذين رأوا في المملكة قوة تمثلهم في أكبر وأهم تجمع عالمي، ولذلك كان حرصهم على مشاركة المملكة في عصفها الذهني، إيمانا منهم باللحمة الكبيرة مع وطننا، واعتزازا بما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من تطور ورفعة كبيرين، ومن ذلك مثلا ما نشر من عقد سفارة المملكة العربية السعودية في الأردن الشقيق مائدة مستديرة حضرها عدد من الوزراء والمستشارين الأردنيين المعنيين وبعض سفراء دول مجموعة العشرين للحديث عن أبرز القضايا على جدول أعمال قمة العشرين.

أما على الصعيد الداخلي، فلم تتوقف اللقاءات والنقاشات البينية وبمشاركة دولية أيضا، لمناقشة أبرز نقاط عمل مجموعة العشرين، ومن ذلك ما قام به مركز الملك عبدالله للدراسات البترولية بالتعاون مع مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية، من تنظيم ندوة لمجموعة الفكر العشرين (T20) لمناقشة موضوعات البيئة والمناخ والتنمية الاقتصادية والمالية، كما في إطار الشراكة التي جمعت ممثلي دول مجموعة العشرين والخبراء من قادة الفكر، فقد رعت أرامكو السعودية قمة مجموعة تمكين المرأة (W20) التي تم تنظيمها افتراضيا واستضافتها الرياض أخيرا بحضور عالمي واسع. إلى غير ذلك من الاجتماعات المتنوعة التي تم عقدها خلال الفترة الجارية تحضيرا لعقد القمة الكبرى برئاسة قادة الدول العشرين، على أني أحب أن أتوقف بالتركيز حول قمة منتدى القيم الدينية لمجموعة العشرين، لما لمضمونه وفكرته من أهمية عظمى بات العالم اليوم في أمس الحاجة إلى تعزيز مفاهيمه المعتدلة الإنسانية بالدرجة الأولى، لتحقيق السلام المنشود، والخروج من النفق المظلم لواقع الصراعات الدينية الأليم.







يمثل هذا المنتدى منصة سنوية تجمع القيادات الدينية بصانعي السياسات والخبراء المتخصصين، بُغية التعاون في مناقشات جدول الأعمال العالمية، ضمن الإطار الواسع لأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

وعادة ما يتناول جدول أعمالهم أكثر القضايا الإنسانية والإنمائية إلحاحا في العالم، كما هو الحال اليوم مع جائحة كوفيد-19، علاوة على إشكالات الفقر والهجرة والصراع والمساواة بين الجنسين وغيرها، وقد تولت المملكة العربية السعودية الرئاسة الدورية للمنتدى في الأول من ديسمبر 2019م، ممثلة بمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، واللجنة الوطنية لمتابعة مبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وعُقد منتدى القيم الدينية هذا العام بالشراكة مع تحالُف الأمم المتحدة للحضارات (UNAOC)، وجمعية منتدى القيم الدينية لمجموعة العشرين، وضم الاجتماع المنعقد بالرياض ممثلين متنوعين من شبكات ومجتمعات دينية وعقائدية من مختلف أرجاء العالم، وقيادات دينية بارزة من جميع الطوائف، إضافة إلى مسؤولين حكوميين، وكبار المسؤولين في كيانات الأمم المتحدة، وصناع الرأي من جميع أنحاء العالم، لمناقشة مختلف القضايا المتعلقة بخطاب الكراهية، ومعالجة صور ألا مساواة في الجوانب الاجتماعية والنواحي العرقية، ناهيك عن العدالة بين الجنسين، والتشرد الاقتصادي، علاوة على أهمية الحفاظ على الأماكن المقدسة من دور عبادة وغيرها. وختم المنتدون اجتماعهم بتطلعهم ليكونوا في القمة القادمة بإيطاليا مجموعة تواصل رسمية، أسوة بمجموعات التواصل الرسمية الأخرى، العاملة بصفة مستقلة عن الحكومات.

إذن هي مجموعة العشرين التي ينظر إليها العالم اليوم بعين الأمل، وتسعى الدول حثيثة للانضمام إليها في يوم من الأيام، ولعمري كأني أراها تأخذ دور ووظيفة هيئة الأمم المتحدة التي باتت شبه مغيبة، بل وغير فاعلة بالكلية في حل إشكالات العالم خلال القرن العشرين.

حتما، فالعالم يحتاج إلى قوة بديلة متزنة بغية معادلة القوة فيما بينها، لتكون الوعاء القانوني لتمكين حالة التدافع الحضاري السلمي، عبر طاولة النقاش القائم على المنطق وليس الغلبة، بهدف تحقيق السلام والنماء المنشودين، وفي تصوري فإن قمة العشرين - التي يمكن أن تتوسع في المستقبل المنظور - ستكون هي المنظمة الأوفر حظا لخلافة هيئة الأمم المتحدة الحاضرة الغائبة، ولا سيما أن مجموعة العشرين اليوم تمثل نحو 80% من الناتج الاقتصادي العالمي، وثلثي سكان العالم، وثلاثة أرباع التجارة الدولية.

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة العشرين قد ابتدأ تأسيسها عام 1999م، حين كانت تلتئم على مستوى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لعقد مناقشات رفيعة المستوى عن القضايا الاقتصادية والمالية. وفي أعقاب الأزمة المالية عام 2008، رُفع مستوى المجموعة لتضم قادة الدول الأعضاء. وانعقدت قمة قادة مجموعة العشرين الأولى في واشنطن في نوفمبر 2008م، ونتيجة لذلك فقد وُسِّع جدول أعمال مجموعة العشرين ليتجاوز القضايا الاقتصادية والمالية ويشمل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية.

وتتناوب الدول الأعضاء على رئاسة مجموعة العشرين كل عام، وتؤدي دولة الرئاسة دورا قياديا في إعداد برنامج الرئاسة، وفي تنظيم قمة القادة التي يحضرها قادة الدول أو الحكومات. كما يصدر القادة بيانا ختاميا بناء على السياسات التي تم مناقشتها خلال الاجتماعات المنعقدة طوال العام.

واتفق على أن يمثل كل دولة مبعوث دبلوماسي يطلق عليه اسم (شربا)، وهو مصطلح مشتق من اللفظة الإنجليزية: (Sherpa) التي تم استعمالها رسميا عام 2005 عندما تم إطلاق مصطلح «شربا المجموعة الفرعية» رسميا على الفريق الرفيع المستوى المعني بالقدرة التنافسية لصناعة المواد الكيميائية في الاتحاد الأوروبي. وعادة ما يقوم المبعوث الدبلوماسي (الشربا) بتمثيل حكومته في التحضير للمفاوضات والاتفاقيات الرئيسية قبل انعقاد القمم الدولية، ويظهر بالتحديد في قمة مجموعة العشرين، وقمة الدول الصناعية السبع، والمؤتمرات التي تنعقد بمشاركة رؤساء الدول، بهدف توفير الوقت والتمهيد للمفاوضات بين رؤساء الدول في القمة المنعقدة، وتقتصر مهامه على التفاوض والتحضير لاجتماعات الوزراء وكبار المسؤولين المعنيين.

وبنظرة أشمل لما تركز عليه اجتماعات قمة العشرين المتمحورة حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية، مثل: الزراعة، ومكافحة الفساد، والمناخ، والاقتصاد الرقمي، والتعليم، والعمل، والطاقة، والبيئة، والصحة، والسياحة، والتجارة والاستثمار، يدرك المتأمل عمق دور القمة في معالجة إشكالات العالم، التي عجزت هيئة الأمم المتحدة عن حلها خلال قرن سالف.

ومن أجل تحقيق ما تصبو إليه، فقد أقرت مجموعة قمة العشرين إنشاء مجموعات تواصل تمثل المجتمع المدني، وتتألف من مختلف أصحاب المصلحة في المجتمع الدولي، ويقوم على عاتقها استضافة مختلف الاجتماعات ذات الصلة بمناقشات مجموعة العشرين، بهدف وضع توصيات سياسية مقرر يتم تقديمها رسميا إلى قادة مجموعة العشرين للنظر فيها. وتتكون هذه المجموعات من التالي: مجموعة الأعمال (B20)، ومجموعة الشباب (Y20)، ومجموعة العمال(L20)، ومجموعة الفكر (T20)، ومجموعة المجتمع المدني (C20)، ومجموعة المرأة (W20)، ومجموعة العلوم (S20)، ومجموعة المجتمع الحضري (U20).

أشير أخيرا إلى أن المشاركين في مجموعة العشرين هي دول: الأرجنتين، وأستراليا، والبرازيل، وكندا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، والهند، وإندونيسيا، وإيطاليا، واليابان، والمكسيك، وجمهورية كوريا، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا، وتركيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي. كما توجه الدعوة إلى دول أخرى للمشاركة كإسبانيا، وهي ضيف دائم في اجتماعات مجموعة العشرين.

وفي هذا العام 2020م تمت دعوة الأردن وسنغافورة وسويسرا للمشاركة بصفة ضيف، كما ستُدعى المنظمات الدولية التي ساهمت على مدى الأعوام الماضية في عمل المجموعة، كمنظمة الأغذية والزراعة، ومجلس الاستقرار المالي، ومنظمة العمل الدولية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والأمم المتحدة، ومجموعة البنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية. علاوة على عدد من المنظمات الإقليمية كصندوق النقد العربي، والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى جمهورية فيتنام بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وجمهورية جنوب أفريقيا بصفتها رئيسا للاتحاد الأفريقي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسا لمجلس التعاون الخليجي، وجمهورية رواندا بصفتها رئيسا للشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا.

والسؤال الذي أختم به هو: هل ستنجح قمة العشرين في حال إقرارها بديلا قانونيا لمنظمة هيئة الأمم المتحدة في حل مختلف النزاعات العالمية القائمة حاليا، وتحقيق ما يصبو إليه الإنسان من سلام وأمن؟

لعل ذلك يكون، ولا سيما أن تأسيسها جاء بمعزل عن مضمون الغلبة العسكرية الذي أدى إلى تأسيس منظمة الأمم المتحدة بمجلس أمنه المحكوم بفيتو القوة وليس العدل والمنطق.

zash113@