بداية فإنه لا بد من المقدمة التي تعرفونها جمعيا: التدخين ضار بالصحة وننصحكم بالامتناع عن تعاطيه، هذا أمر لا يبدو أن عليه خلافا بين الناس، حتى فيليب موريس شخصيا مقتنع أن التدخين ضرره أكثر من نفعه، والنفع الوحيد ربما هو أنه مصدر دخل للصانع والمستورد والبائع. وربما يجد البعض أن من فوائده أن له «حزة عند احتكام المصيبة» كما يقول الفيلسوف السعودي الراحل بندر بن سرور رحمه الله. إلا أن هذا لا يتعارض مع كونه ضارا.

هذه حقائق بدهية لكنها لا تعني النظر إلى المدخنين وكأنهم كائنات زائدة عن الحاجة وأنه لا بد من اجتثاثهم من هذا الكوكب.

في الحديث عن المدخن شيء من الازدراء الذي قد يصل إلى حد العنصرية في بعض الحالات، وهذا أمر تعوده المدخنون وألفوه وتأقلموا معه وأصبح جزءا من فكرة التدخين، ويعتبرونه ثمنا ملائما لاختياراتهم الضارة، ثم إن المدخنين تقبلوا برحابة صدورهم ـ أو ما تبقى منها ـ أن يدفعوا الضريبة «أضعافا مضاعفة»، وهي الضريبة التي تلقى ترحيبا من الناس على عكس ما تفعله بقية ضرائب السلع الأخرى التي يكرهها الناس ويكرهون أن يذكر حتى اسمها.

لكن فكرة محاربة التدخين بتقليل جودته وزيادة المواد الضارة فيه تبدو فكرة غريبة بعض الشيء، إنها تشبه فكرة محاربة الفقر من خلال قتل الفقراء، أو القضاء على البطالة باعتقال العاطلين، وأنا هنا لا أتحدث عن الغلاف الجديد ولا الصور التي وضعت عليه، لأنها فكرة مقبولة وإن كانت وسيلة مقززة لغاية نبيلة. لكن الحديث عن رداءة المنتج نفسه الذي أجمع على رداءته كل المدخنين، الخبراء منهم والمستجدين.

فاجتمع على المدخن البائس السعر المرتفع والجودة المنخفضة، وهو لا يطالب بشيء أكثر من أن تكون الجودة مماثلة للسعر، ولا مشكلة لديه حتى في التعامل مع جودة السجائر كما يتم التعامل مع جودة «سم الفئران»، شعارهم الذي رفعوه في مواجهة الهجمة الشرسة التي تطالهم هو: أعطني منتجا يستحق السعر والضريبة التي أدفعها ودعني أمت بمزاج جيد.

وهو مطلب لا يخلو من الوجاهة، فقد قرأت أن الحقنة التي تستخدم لقتل المحكوم عليهم بالإعدام بواسطة الحقنة القاتلة لا بد أن تكون جديدة ومعقمة وجيدة الصنع ولا تستخدم مرتين. لأنه من حق المحكوم عليه بالإعدام أن يموت بأدوات نظيفة.

وفي بيان هيئة الدواء والغذاء حول هذه القضية قالت إن سبب تغير طعم ورائحة السجائر الجديدة ليس بسبب مواد مغشوشة، وهذا البيان كان تصديقا لشكوى المدخنين من التغيير، ولكن الهيئة الموقرة لم توضح السبب بما أنها تعرف أنه ليس بسبب الغش. وفي نفس الوقت نشطت في مواقع التواصل تلك الفئة التي تعرفونها والتي لا تنشط «بالمجان» لترويج فكرة أن شركات التبغ هي من تعمدت تقليل جودة السجائر لابتزاز المدخنين والضغط على الحكومات. وهذا يناقض بيان الهيئة التي تقول إنه لا يوجد غش في الموضوع.

وعلى أي حال..

كنت قد حدثتكم سابقا عن أن فكرة التهريب تبدو مشروعي القادم، ويبدو السوق الآن في حاجة لمهربين جدد وهذه فرصة استثمارية مغرية، لكن الفكرة أني لم أجد «الجمس» الملائم، ولا أجيد نظم القصائد التي تتحدث عن مغامراتي، وحتى الشجاعة «لك عليها» وسأنكشف حتى قبل أن أشتري البضاعة. أتمنى أن تعود سجائر المدخنين الأصلية ويفسد سوق المهربين لأني سأشعر بالغيرة ممن يستطيع أن يفعل الأشياء التي لا أقدر عليها.

agrni@