لم تعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد مواجهة عسكرية تستهدف تغيير موازين الردع أو تحجيم القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. فقد تحولت إلى صراع استراتيجي تتداخل فيه حسابات القوة مع اعتبارات الشرعية السياسية ومصالح الاقتصاد العالمي ومستقبل النظام الإقليمي. وتزداد خطورة هذه المواجهة مع دخول الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية على خط الصراع باعتبارها عاملا مؤثرا في توقيت القرارات العسكرية وحدود التصعيد وفرص التسوية. فالحروب لا تخضع دائما لمنطق الميدان وحده. وقد تصبح صناديق الاقتراع في لحظات التحول السياسي أكثر تأثيرا في مساراتها من نتائج العمليات العسكرية نفسها.

تكمن المعضلة الأساسية في أن الأطراف الثلاثة تخوض الصراع بأهداف استراتيجية غير متطابقة. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية وإعادة تثبيت مصداقية الردع الأمريكي دون التورط في استنزاف إقليمي طويل. وإسرائيل تنظر إلى المواجهة باعتبارها فرصة لإضعاف مصادر التهديد الإيراني بصورة تتجاوز البرنامج النووي إلى البنية الصاروخية والنفوذ الإقليمي. أما إيران فتتعامل مع الحرب باعتبارها اختبارا لبقاء النظام وقدرته على الاحتفاظ بعناصر القوة والسيادة ومنع خصومه من فرض معادلة استسلام سياسي تحت الضغط العسكري. ومن هذا الاختلاف تنشأ أزمة يصعب حسمها بالقوة وحدها. فما قد تعتبره واشنطن نتيجة عسكرية كافية قد لا تراه إسرائيل ضمانة أمنية دائمة. وما قد تقبله إيران تسوية تحفظ بقاءها قد تعتبره إسرائيل مجرد تأجيل لمواجهة مقبلة.

في الولايات المتحدة أتت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر لتضع إدارة دونالد ترامب أمام اختبار يتجاوز المنافسة الحزبية إلى تقييم جدوى الحرب ذاتها. فالرئيس الذي قدم نفسه بوصفه رافضا للحروب الخارجية المكلفة يواجه اليوم تداعيات مواجهة انعكست على أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة وثقة الناخبين بقدرته على إدارة الأزمات. وهنا تصبح المشكلة أعمق من احتمالات خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس. إذ إن استمرار الحرب دون نهاية سياسية مقنعة قد يحول التفوق العسكري الأمريكي إلى استنزاف للرصيد السياسي للرئيس. وفي المقابل فإن انتهاء الانتخابات قد يرفع بعض القيود الانتخابية المباشرة عن قراراته ويمنحه هامشا أوسع للمناورة بين التصعيد والتفاوض. وهذا يعني أن التهدئة قبل الاقتراع لا تشكل بالضرورة مؤشرا على تحول استراتيجي نحو السلام.

أما في إسرائيل فقد كشفت الانتخابات الأخيرة عن مفارقة لا تقل تعقيدا. فرغم تقدم معسكر بنيامين نتنياهو فإنه لم يحصل على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة. وهو ما يجعل مستقبل السلطة مرتبطا بتوازنات ائتلافية دقيقة في لحظة تتصاعد فيها التهديدات تجاه إيران. وتكمن الخطورة في احتمال تحول المواجهة الخارجية إلى وسيلة لإعادة إنتاج التماسك الداخلي أو تعزيز شرعية القيادة السياسية. غير أن اختزال الموقف الإسرائيلي في مصالح نتنياهو الشخصية سيكون قراءة قاصرة. فالخلاف بين القوى الإسرائيلية الرئيسية يتعلق بدرجات التصعيد وأساليب إدارة الصراع أكثر مما يتعلق بطبيعة التهديد الإيراني. ولذلك فإن تغيير الحكومة قد يبدل أدوات المواجهة دون أن يغير بالضرورة أهدافها الاستراتيجية.

وتبدو إيران في المقابل أكثر إدراكا لأهمية الزمن السياسي في إدارة الصراع. فهي تراهن على أن قدرة خصومها على استخدام القوة العسكرية لا تعني امتلاكهم القدرة نفسها على تحمل تكاليفها السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم محاولات إطالة المفاوضات أو تحسين شروطها بالتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية. لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضا جوهريا. فالوقت الذي يمنح طهران فرصة للاستفادة من الضغوط الانتخابية على واشنطن قد يمنح الإدارة الأمريكية بعد الانتخابات حرية أكبر في اتخاذ قرارات عسكرية أشد قسوة. وبذلك تتحول المراهنة على استنزاف الخصم إلى مقامرة قد تنقلب نتائجها على صاحبها.

الأكثر خطورة أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لا تقوم على تطابق كامل في المصالح رغم عمق التحالف بين البلدين. فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران ضمن حسابات أوسع تشمل أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي ومنافسة القوى الكبرى والحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية. بينما تنطلق إسرائيل من تصور أمني يمنح التهديد الإيراني أولوية استثنائية. ومن هنا قد تظهر فجوة بين رغبة واشنطن في إنهاء الحرب باتفاق يضمن المصالح الأساسية وبين سعي إسرائيل إلى منع إيران من استعادة قدراتها العسكرية مستقبلا. وإذا اتسعت هذه الفجوة فقد تصبح إدارة الخلاف داخل التحالف نفسه أحد المحددات الرئيسية لمسار الحرب.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الخليج العربي أمام تحد استراتيجي بالغ الحساسية. فالمنطقة تتحمل جزءا كبيرا من التداعيات الأمنية والاقتصادية لحرب لا تملك بالضرورة قرار بدئها أو إنهائها. كما أن تعرض الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية للتهديد يكشف حدود الاعتماد على الردع العسكري الخارجي. ومن هنا تبرز أهمية بناء مقاربة خليجية تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية وتوسيع هامش الاستقلال في القرار الأمني وتكثيف الدبلوماسية الوقائية. فالمصلحة الخليجية لا تتحقق بانهيار إيران ولا باستمرار قدرتها على تهديد جيرانها. وإنما بقيام توازن إقليمي يمنع الهيمنة ويحد من استخدام القوة ويفتح المجال أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا.

وعلى المستوى الدولي لا يمكن فصل هذه الحرب عن التحولات الجارية في بنية النظام العالمي. فكلما طال أمد المواجهة ازدادت احتمالات استفادة الصين وروسيا من انشغال الولايات المتحدة واستنزاف مواردها السياسية والعسكرية. كما أن اضطراب إمدادات الطاقة يمنح الحرب تأثيرا يتجاوز الشرق الأوسط إلى الاقتصادات الصناعية والأسواق الناشئة. وبذلك لا يصبح السؤال مقتصرا على مستقبل إيران أو أمن إسرائيل بل يمتد إلى قدرة الولايات المتحدة على إدارة التزاماتها العالمية دون الوقوع في تناقض بين أولوياتها الإقليمية ومنافستها الاستراتيجية مع القوى الكبرى.

وفي ضوء هذه المعطيات تبدو مرحلة ما بعد الانتخابات مفتوحة على ثلاثة احتمالات متداخلة. الأول يتمثل في تسوية مرحلية تحفظ لكل طرف الحد الأدنى من مصالحه وتمنع تجدد المواجهة الواسعة. والثاني يقوم على استئناف التصعيد العسكري سعيا إلى فرض شروط تفاوضية أكثر تشددا. أما الثالث فيتمثل في استمرار حالة الاستنزاف دون حرب شاملة أو سلام مستقر. ويظل العامل الحاسم في ترجيح أحد هذه الاحتمالات هو مدى استعداد الأطراف للاعتراف بأن إضعاف الخصم عسكريا لا يساوي بالضرورة إخضاعه سياسيا. وتؤكد التحركات الدبلوماسية الأخيرة عبر الوساطة القطرية أن باب التفاوض لم يغلق رغم استمرار التهديدات العسكرية.

ولهذا فإن القراءة الاستراتيجية الأعمق تشير إلى أن الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية لا تمثل مجرد أحداث داخلية موازية للحرب بل أصبحت جزءا من بنيتها السياسية ومحركاتها الزمنية. فقد تؤجل الانتخابات قرار التصعيد دون أن تلغي دوافعه وقد تدفع نحو التسوية دون أن تزيل أسباب الصراع. ولهذا فإن المرحلة التالية لن تتحدد فقط بنتائج صناديق الاقتراع وإنما بقدرة القيادات على الفصل بين ضرورات الأمن القومي وحسابات البقاء السياسي. فحين تصبح الحرب وسيلة لتعزيز الشرعية الداخلية تتراجع فرص التسوية العقلانية وتتزايد احتمالات اتخاذ قرارات تتجاوز حسابات المصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى.

والخلاصة أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يمتلك القدرة على توجيه الضربة الأقوى وإنما بمن يستطيع تحويل القوة إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار. وقد تثبت المرحلة المقبلة أن أخطر ما في هذه الحرب ليس اختلال ميزان القوة بين أطرافها بل اختلال العلاقة بين الأهداف العسكرية والغايات السياسية. ذلك أن الحرب التي لا تمتلك تصورا واضحا لنهايتها قد تستمر حتى بعد استنفاد مبرراتها الأولى. ومن هنا فإن السؤال الحاسم بعد الانتخابات ليس ما إذا كانت الحرب ستتجدد فحسب بل ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب وطهران تمتلك تصورا لنظام إقليمي يمكن أن يتوقف فيه الصراع دون أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد استراحة تسبق حربا أخرى.

alatif1969@