بين مناسبتين صحيتين تفصل بينهما أيام، تتجه الأنظار إلى داء السكري أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارا وتأثيرا في صحة الإنسان إذ تحتفل دول الخليج الأحد المقبل الثامن من نوفمبر 2026 بالأسبوع الخليجي للسكري، فيما يحيي العالم في الرابع عشر من الشهر ذاته اليوم العالمي للسكري وتأتي المناسبتان في ظل تنامي أعداد المصابين، لتجددا الاهتمام بهذا المرض، وتفتحا ملف أسبابه وسبل الوقاية منه، وما يشهده العالم من تطورات طبية وتقنية غيّرت كثيرا من فرص السيطرة عليه والتعايش معه.

وقد يبدو وصف السكري بـ«الداء الحلو» غريبا، لكنه يرتبط بارتفاع مستوى السكر، أي الجلوكوز في الدم ويحدث ذلك عندما يعجز الجسم عن إنتاج كمية كافية من هرمون الإنسولين، أو عندما لا يستطيع استخدامه بفاعلية، أو نتيجة اجتماع العاملين في بعض الحالات فكما هو معروف طبيا الإنسولين هو الهرمون الذي ينتجه البنكرياس، ويساعد الجلوكوز على الانتقال من الدم إلى خلايا الجسم لاستخدامه مصدرا للطاقة وعندما يختل هذا النظام يرتفع مستوى السكر في الدم، وقد يؤدي استمرار ارتفاعه دون ضبط إلى أضرار تطال الأوعية الدموية والأعصاب والعينين والكليتين والقلب وهنا تكمن المفارقة فالسكر الذي يحتاج إليه الجسم لإنتاج الطاقة يتحول عند اختلال تنظيمه إلى خطر صحي يستوجب المتابعة والعلاج، كما أن السكري ليس نوعا واحدا، إذ يختلف النوع الأول عن النوع الثاني في أسبابه وآلية حدوثه، وإن كان كلاهما يتطلب رعاية مناسبة ومتابعة مستمرة.

والواقع لم يعد السكري مشكلة صحية تقتصر على فئة عمرية أو مجتمع بعينه، بل أصبح مرضا عالميا تتزايد أعداد المصابين به نتيجة تداخل عوامل وراثية وبيئية وسلوكية، إذ يرتبط انتشار المرض بتغير أنماط الحياة والاعتماد المتزايد على الوجبات السريعة والأطعمة الغنية بالسكريات والدهون، إلى جانب قلة النشاط البدني والجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، كما يسهم ارتفاع متوسط الأعمار، والاستعداد الوراثي، وزيادة معدلات السمنة في ارتفاع احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

ولا تكمن الخطورة في الإصابة وحدها، بل في أن المرض قد يتطور بصمت لسنوات دون أعراض واضحة، ما يجعل بعض المصابين لا يكتشفونه إلا بعد ظهور مضاعفات ولذلك فإن الفحص المبكر، خصوصا لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة يمثل خطوة أساسية لاكتشاف المرض والبدء في التعامل معه قبل تفاقم آثاره.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو تزايد السمنة بين الأطفال والمراهقين، نتيجة قلة اللعب والحركة، والإفراط في تناول المشروبات المحلاة والأطعمة عالية السعرات، فقد أسهمت هذه العوامل في زيادة ظهور السكري من النوع الثاني لدى الفئات الأصغر سنا، بعد أن كان أكثر شيوعا بين البالغين ولا تعني هذه العلاقة أن كل شخص يعاني من السمنة سيصاب بالسكري، لكنها تؤكد أهمية التعامل مع الوزن الزائد مبكرا وتشجيع الأطفال على النشاط البدني، وتوفير خيارات غذائية صحية داخل المنزل والمدرسة، بعيدا عن اللوم أو الوصمة.

كما تعتمد السيطرة على السكري على قياس السكر التقليدي والحقن اليدوي وحدهما؛ فقد أحدثت التقنيات الطبية الحديثة تحولا ملحوظا في متابعة المرض وإدارته، ومن أبرز هذه التطورات أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز، التي تقيس مستويات السكر على مدار اليوم وتظهر تغيراتها، وقد تنبه المريض عند ارتفاعها أو انخفاضها، فيما تساعد مضخات الإنسولين على توصيل الهرمون بجرعات دقيقة، وتتيح بعض الأنظمة المتقدمة الربط بين المضخة وجهاز المراقبة لضبط توصيل الإنسولين بصورة آلية جزئية وإلى جانب ذلك أسهمت التطبيقات الصحية والاستشارات الطبية عن بعد في تسهيل تسجيل القراءات ومتابعة العلاج والتواصل مع الفريق الطبي، خصوصا لدى المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة، لكن هذه التقنيات ليست بديلا عن الوعي الصحي أو المتابعة الطبية، فالوقاية تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية.

وأخيرا.. إن مواجهة السكري لا تبدأ في عيادة الطبيب فقط، بل تبدأ من مائدة الطعام، وخطوات المشي، والفحص في الوقت المناسب؛ فكل خطوة صحية اليوم قد تحمي القلب والكليتين والعينين غدا، وتمنح الجميع فرصة لحياة أكثر صحة وعافية، لذلك فخير نصيحة للوقاية من السكري والحد من مضاعفاته هي: اتباع نظام غذائي متوازن، وتقليل السكريات والأطعمة المصنعة، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والمحافظة على وزن صحي، وإجراء الفحوص الدورية للكشف المبكر عن المرض، مع الالتزام بالعلاج ومراقبة مستويات السكر للمصابين، وتعزيز الدعم الأسري والتشجيع على تبني نمط حياة صحي.