الطرمبة.. كلمات في مكة لها تاريخ
حسن عبدالعزيز مكاوي
3 دقائق للقراءة
حجم الخط
تعرف مكة المكرمة بتنوع حلوياتها التقليدية التي ارتبطت بذاكرة أهلها وعاداتهم الاجتماعية، وتناقلتها الأجيال حتى أصبحت جزءا من تراثها الغذائي الشعبي. ومن أشهر هذه الحلويات: الطحينية، والهريسة، والمفروكة، واللدو، واللبنية، والمهجمية، واللوزية، والمشبك. ومن بينها الطرمبة، وهي حلوى على هيئة أصابع طويلة مسننة، مقرمشة من الخارج وطرية من الداخل، وغالبا ما تقدَم في المناسبات.
وتناول الأستاذ محمد عمر رفيع طريقة إعداد الطرمبة في كتابه «مكة في القرن الرابع عشر الهجري»، ووصفها بأنها تحضَر بعجن مقدار من الدقيق الممتاز، ثم تضاف إليه كمية من البيض تتناسب مع مقدار العجين، ويعاد عجنه بالبيض مرة ثانية حتى يمتزج به. بعد ذلك، تؤخذ قطعة من العجين وتوضع في آلة مخصوصة معروفة لهذا الغرض، ثم تدفع بمكبس، فتخرج قطعة مشرخة تسقط مباشرة في طاجن القلي بالسمن. وبعد أن تنضج القطع التي خرجت من الآلة (المكبس)، تنقل وتفرَق في مقدار من القطر (الشيرة) حتى تتشبع به.
يطلق على الطرمبة في بعض المناطق العربية اسم «بلح الشام»، بينما تعرف في تركيا باسم «Tulumba Tatlısı».
وكلمة Tulumba (تولومبا) في اللغة التركية، و(طرمبة) في اللهجة المكية، تعني المضخة، ولا سيما الأداة المستخدمة لضخ الماء. وتعود الكلمتان، بحسب هذا التفسير اللغوي، إلى الكلمة الإيطالية Tromba، التي تعني البوق، وتستخدم أيضا للدلالة على المضخة. والتقارب بين الاسمين التركي والمكي لافت، ويحتمل أن تكون التسمية المكية قد تأثرت بالاسم التركي، في سياق التواصل التاريخي والثقافي بين مكة المكرمة والعالم.
وهنا تظهر صلة محتملة بين اسم الحلوى ومعنى كلمة «طولومبا» أو «طرمبة»، إذ يحتمل أن تكون التسمية مرتبطة بالآلة المستخدمة في صنعها، التي تشبه المضخة؛ حيث يوضع العجين فيها ويدفع بواسطة مكبس، ليخرج من الجهة الأخرى على هيئة أصابع حلوى الطرمبة.
يتضح التشابه بين الطرمبة المكية والتولومبا التركية في المظهر العام وطريقة التحضير الأساسية، مع احتمال اختلاف الوصفات في نسب المكونات، وطرق العجن والقلي، ودرجة التشريب بالقطر.
ولا يمكن الجزم بأن هذه الحلوى ذات أصل تركي خالص؛ فتاريخ الحلويات المصنوعة من العجين المقلي والمحلى متشعب، وقد تطورت وصفاتها وانتقلت بين مطابخ وثقافات متعددة.
وقد تكون الطرمبة قد انتقلت إلى مكة المكرمة من مطبخ آخر، ثم أصبحت، مع مرور الزمن، جزءا من ذاكرة أهلها وموروثهم الغذائي، شأنها شأن كثير من المأكولات التي انتقلت بين البلدان، واكتسبت في كل مكان طابعا محليا خاصا.
وهكذا، فإن وصف الطرمبة بأنها من الحلويات الشعبية المكية يعد صحيحا من حيث حضورها في الحياة الاجتماعية والموروث الغذائي لأهل مكة المكرمة. أما تحديد أصلها التاريخي الدقيق، وأصل تسميتها، وتاريخ دخولها إلى المدينة، فيبقى مجالا مفتوحا للبحث والتوثيق.
ولعل حلوى الطرمبة تذكرنا بأن الكلمات في مكة المكرمة لها تاريخ؛ فحين نبحث في سيرة كلمة نتداولها، قد نكتشف وراءها حكايات عن الناس والأماكن، وعن طرق التواصل والتأثير المتبادل بين الثقافات. وهكذا، لا تكون الكلمات مجرد ألفاظ نتوارثها، بل شواهد تحمل شيئا من تاريخ المدينة وذاكرتها.
فالطرمبة قد تكون مكية في ذاكرتنا وتراثنا الشعبي، وذات صلة تركية في اسمها أو تاريخها، لكن المؤكد أنها حلوى لذيذة، لا سيما إذا أحسن صنعها، وقدمت في المناسبات المكية بعد وجبات الرز الكابلي أو البرياني. أما أصلها وحكاية تسميتها، فنتركهما للباحثين، ونترك للقارئ ولنا لذة الطعم... فبالعافية يا أهل مكة!
makkawicom@
شارك هذا المقال
