من استقطاب الخبرات إلى صناعة معرفة سعودية يحتاجها العالم.

تخيلوا هذا المشهد بعد سنوات قليلة:

شركة سعودية تدير منشأة رياضية خارج المملكة، وتقنية طورت في الرياض تستخدم في ملعب عالمي، وخبير سعودي تستقطبه مؤسسة رياضية دولية، ونموذج تشغيل ولد في أحد أنديتنا يتحول إلى معرفة تباع خارج الحدود.

عندها لن تكون عبارة «صنع في السعودية» مرتبطة بما تنتجه مصانعنا فقط، بل بما تنتجه عقولنا وخبراتنا الرياضية أيضا.

فهل يمكن أن تصبح المعرفة الرياضية واحدة من صادرات المملكة القادمة؟

لقد نجحت الرياضة السعودية في جذب أنظار العالم، واستقطبت نجوما وخبرات وشركات وتقنيات، واستضافت أحداثا كبرى، وفتحت أبوابا واسعة للاستثمار والاحتراف.

لكن خلف كل عملية استقطاب فرصة أكبر من الاسم أو العقد أو الحدث نفسه.

إنها المعرفة.

وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: ماذا سيبقى لدينا عندما تنتهي العقود؟ اللاعب يغادر.. فهل تبقى المعرفة؟

حين نستقطب مدربا عالميا، أو خبيرا، أو شركة تشغيل دولية، أو تقنية متقدمة، لا ينبغي أن تكون القيمة الوحيدة هي ما تقدمه خلال مدة العقد. القيمة الأبعد هي ما تتركه بعد رحيلها.

هل انتقلت المعرفة إلى كوادرنا؟ هل تحولت التجربة إلى منهج ونظام عمل؟ هل طورنا عليها؟ وهل أصبحنا بعد سنوات قادرين على تقديم هذه الخبرة للآخرين بدلا من شرائها منهم مرة أخرى؟

فالاستقطاب الأكثر قيمة ليس الذي يجلب أفضل الخبرات فقط، بل الذي يجعلنا لاحقا قادرين على إنتاج المعرفة بأنفسنا.

ومن هنا قد تكون المرحلة التالية للرياضة السعودية واضحة: نستقطب المعرفة، نوطنها، نطورها، ثم نصدرها.

ميزان لا يظهر في القوائم المالية

في الاقتصاد نراقب ما نستورد وما نصدر. فماذا لو فعلنا الشيء نفسه مع المعرفة الرياضية؟ يمكن أن نطلق على ذلك «ميزان المعرفة الرياضية».

في جانب منه نقيس ما نستقطبه من خبرات وتقنيات وشركات تشغيل ونماذج إدارية وبرامج واستشارات دولية.

وفي الجانب الآخر نسأل: كم خبيرا سعوديا أصبح مطلوبا خارج المملكة؟ كم شركة رياضية سعودية حصلت على عقد دولي؟ كم تقنية محلية وصلت إلى سوق خارجي؟ وكم نموذجا تشغيليا أو معرفيا طورناه هنا وأصبح الآخرون مستعدين لشرائه؟

حينها لن نقيس تطور القطاع فقط بما نجحنا في جذبه إلى المملكة، بل أيضا بما أصبحنا قادرين على إرساله منها إلى العالم.

«صنع في السعودية».. ولكن بطريقة مختلفة

ماذا لو وسعنا معنى العبارة رياضيا؟

«صنع في السعودية» في الرياضة لا يعني أن نصنع الكرة أو القميص فقط؛ بل أن نصنع المعرفة التي تدار بها الرياضة. تقنية، نموذج تشغيل، برنامج لتأهيل القيادات، حل لإدارة الحشود، تجربة جماهيرية، شركة لإدارة الأحداث، نظام لتحليل البيانات، أو نموذج استثماري نشأ في بيئتنا وأثبت نجاحه ثم أصبح قابلا للتطبيق خارجها. عندها لا تكون الصناعة منتجا ماديا فقط، بل فكرة وخبرة وتقنية وملكية فكرية ونموذج عمل.

وهنا يمكن أن يتحول النمو الرياضي الذي نعيشه اليوم من سوق يستقطب المعرفة العالمية إلى سوق ينتج معرفة عالمية.

المعرفة لا تنتقل تلقائيا

وجود أفضل خبير عالمي داخل مؤسسة سعودية لا يعني بالضرورة أن معرفته أصبحت جزءا من المؤسسة، قد يعمل لسنوات، ثم يغادر، وتغادر معه خبرة كان يمكن أن تتحول إلى أصل دائم. لذلك ربما نحتاج إلى النظر إلى نقل المعرفة باعتباره جزءا من العائد الاستثماري للعقد، وليس أثرا جانبيا له.

ومن هنا أقترح مفهوم «بند الإرث المعرفي» في العقود الكبرى مع الخبرات والجهات الدولية متى كان ذلك مناسبا. فبدل أن نسأل فقط: ماذا سينفذ هذا المتعاقد؟ نسأل أيضا: ماذا سيترك وراءه؟ ما المعرفة التي ستنقل؟ إلى مَن؟ كيف سنقيس انتقالها؟ وما الذي سيستطيع الفريق السعودي تنفيذه بنفسه بعد انتهاء العقد ولم يكن يستطيع تنفيذه قبله؟

عندها ينجح العقد مرتين: مرة عندما ينجز مهمته، ومرة عندما يترك قدرة جديدة داخل المملكة.

من وظيفة سعودية إلى صناعة سعودية

لكن نقل المعرفة إلى الأفراد ليس نهاية الطريق. تخيلوا موظفا سعوديا يتعلم تشغيل منشأة عالمية، ثم يقود منشأة أخرى، ثم يبني فريقا متخصصا، ثم تتحول خبرته إلى شركة تشغيل سعودية تنافس يوما ما على عقد خارج المملكة. هنا نكون قد انتقلنا من توطين الوظيفة إلى تصدير الكفاءة. والفرق بينهما كبير.

الأول يصنع فرصة عمل، أما الثاني فقد يصنع شركة وسوقا وصناعة كاملة.

والأمر نفسه ينطبق على التقنيات الرياضية. أنديتنا ومنشآتنا وأحداثنا الكبرى يمكن أن تكون بيئات حقيقية لاختبار حلول سعودية في تجربة المشجع، وإدارة الحشود، وتحليل الأداء، وتشغيل المنشآت، والتذاكر، والبيانات.

وحين ينجح حل سعودي أمام عشرات الآلاف من الجماهير أو داخل حدث عالمي، فإنه لا يحصل على تجربة محلية فقط؛ بل على قصة نجاح يمكن تصديرها.

ماذا لو أصبحت المملكة مختبرا للرياضة؟

لدينا اليوم مزيج يصعب تكراره: استثمارات متسارعة، أندية ذات جماهيرية كبيرة، أحداث عالمية، منشآت تتطور، وتحول رقمي وسوق رياضي ينمو بسرعة. هذه البيئة ليست فرصة للاستهلاك فقط، إنها فرصة لتصبح المملكة مختبرا للابتكار الرياضي.

ومن هنا يمكن التفكير في «مختبر الرياضة السعودية للتصدير»؛ ليس بالضرورة جهة أو مبنى جديدا، بل مسار يربط الأندية والاتحادات والمنشآت بالشركات الناشئة والجامعات والكفاءات الوطنية. تطرح مشكلات حقيقية، وتطور لها حلول سعودية، وتختبر في الميدان، وتقاس نتائجها، ثم تدعم الحلول الناجحة للوصول إلى أسواق أخرى. وبذلك يصبح النادي أو الملعب أو الحدث الرياضي أول عميل للابتكار السعودي، لا آخر محطة له.

ماذا نريد أن يبقى بعد 2034؟

عندما تستضيف المملكة كأس العالم 2034، سيكون العالم أمامنا. لكن أحد أهم الأسئلة سيبدأ بعد انتهاء البطولة: ماذا بقي؟ ليس فقط الملاعب والمنشآت والصور وأرقام الحضور، بل كم سعوديا أصبح يمتلك خبرة عالمية المستوى؟ كم شركة وطنية أصبحت قادرة على المنافسة دوليا؟ كم تقنية طورناها؟ كم نموذجا تشغيليا أصبح ملكا لنا؟ وكم عقدا خارجيا فازت به شركات سعودية بفضل الخبرة التي صنعتها هذه المرحلة؟

إذا حدث ذلك، فلن يكون إرث الأحداث الرياضية منشآت فقط، سيصبح قدرة اقتصادية ومعرفية قابلة للتصدير.

المرحلة التي بعد الاستضافة

لقد أثبتت المملكة قدرتها على جذب العالم إلى أحداثها الرياضية، لكن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر طموحا:

أن نجعل العالم يبحث عما أنتجته الرياضة السعودية.

أن يأتي المستثمر لا ليبيعنا التقنية فقط، بل ليشارك في تقنية ستخرج من هنا. وأن يأتي الخبير لا ليقدم معرفته فقط، بل ليجد كفاءات سعودية تتعلم منه ثم تطور ما تعلمته. وأن يصبح نجاحنا الرياضي قابلا للقياس ليس فقط بما نستضيفه ونشتريه ونستقطبه، بل بما نصنعه ونملكه ونصدره.

وعندها ربما لن نحتاج إلى السؤال: ماذا ستصدر الرياضة السعودية للعالم؟ لأن العالم سيكون قد بدأ يجيب بنفسه: تقنية سعودية هنا، شركة تشغيل سعودية هناك، خبير سعودي يقود مشروعا دوليا، ونموذج رياضي يحمل توقيع المملكة.

فالطموح الأكبر ليس أن يرى العالم ما نستطيع استضافته فقط... بل أن يستخدم العالم يوما ما ما استطعنا صناعته.