هبة مبارك الدوسري

ماذا يترك المونديال خلفه حين يسدل الستار؟

الأحد - 19 يوليو 2026

Sun - 19 Jul 2026

مع اقتراب نهاية كأس العالم 2026، ستعود فجأة البيوت التي اعتادت طوال أسابيع أن تجتمع أمام الشاشة إلى روتينها المعتاد. لا صراخ عند هدف، ولا نقاش محتدم حول ركلة جزاء، ولا رسالة جماعية في جروبات الواتساب تسأل "المباراة عند مين اليوم؟". شيء ما سينتهي مع انطلاق صافرة النهاية وليست فقط البطولة.

هذا التوقف المفاجئ في الروتين ذكرني بحكاية قديمة جدا، لا علاقة لها بكأس العالم، لكنها ربما أقرب مثال على ما تفعله الكرة بالناس حين لا يعود شيء آخر يجمعهم.

في عام 1914 تحديدا ليلة عيد الميلاد، كان الجنود البريطانيون وأعداؤهم الألمان يجابه بعضهم بعضا في خنادق متقابلة خلال الحرب العالمية الأولى، لا يفصل بينهم سوى أمتار من أرض محروقة تعرف بشريط الموت.

في تلك الليلة تحديدا، ارتفعت أصوات الغناء من أحد الجانبين بوحي من أجواء عيد الميلاد، فرد عليها الجانب الآخر. خرج الجنود من خنادقهم في هدنة إنسانية دافئة ولم يطلق أحد النار. تبادلوا الطعام والهدايا الصغيرة، بل وساعد بعضهم بعضا في دفن القتلى. ثم ظهرت كرة مصنوعة من علب معدنية مربوطة أو أكياس رمل مكورة، وبدأت بينهم ركلات عفوية مارسوا فيها لعب كرة القدم.

لم توقف تلك الهدنة الحرب، وعاد الجنود بعد ساعات إلى خنادقهم. ومع ذلك، بقيت تلك اللحظة خالدة في الذاكرة والرسائل المتبادلة، أكثر من معارك كثيرة كانت أشد ضجيجا. فالإنسان لا يتذكر دائما الحدث الأضخم، بل اللحظات التي شعر فيها بدفء الإنسانية.

وعلى صعيد آخر، أتابع ما يفعله المونديال في بيوتنا كل أربع سنوات. فالمونديال في جوهره ليس مناسبة رياضية فقط، بل إذن جماعي بالتقارب. طيلة أسابيع لا يحتاج أحد إلى سبب للاتصال أو اللقاء، يكفي أن يسأل "متى مباراة اليوم؟" فتجد الأب المنشغل طوال العام يعود إلى الجلوس مع أبنائه، والأصدقاء الذين فرقتهم الوظائف والمسافات يتحمسون للاجتماع، وتلك الفئة المؤنسة التي لا تفهم قانون التسلل لكنها تهتف مع الجميع لمجرد أن استضافة هذا الجمع بالبيت ملأته بالبهجة.

بالنسبة لشخص مثلي لا يتفاعل كثيرا مع كرة القدم، فإن مونديال 2026 لم يترك لنا أهدافا ونتائج كروية فقط، بل ترك وجوها وحكايات أمتعتنا خارج الملعب بقدر ما فعلت داخله. ومن أشهرها قصة المهاجم النرويجي هالاند الذي يبدو أمام المرمى شديد الجدية ثم يتحول بعيدا عنه إلى شخصية مرحة تصنع المقاطع الطريفة، والتي من أشهرها حين قاد جماهير النرويج في حركة "تجديف الفايكنغ" التي اجتاحت مواقع التواصل.

أيضا من قصص المونديال الإنسانية حكاية حارس مرمى منتخب الرأس الأخضر "فوزينيا" الأربعيني، الذي وقف أمام منتخب إسبانيا وتصدى لسبع كرات ليصبح أحد نجوم المونديال. بعد أدائه البطولي في المباراة أجهش بالبكاء لأن والدته لم تستطع الحضور بسبب تأشيرة السفر. انتشرت قصته لتصدر للأم تأشيرة فورية، وتجلس في المدرجات حاملة علم بلادها وهي تشاهد ابنها يحقق حلما انتظره عمرا كاملا. ولأن الأخبار الجميلة لا تأتي فرادى، فقد قام عالم أحياء بإطلاق اسم "فوزينيا" على نوع جديد اكتشفه من القواقع البحرية بعد تألقه في المونديال. وكأن كرة القدم أرادت أن تحفظ اسمه لا في سجلاتها وحدها، بل في تاريخ العلم أيضا.

أما عربيا، فقد عايشنا مع منتخبي مصر والمغرب بطولة امتزج فيها الفرح بالحماس حين صنع هذان الفريقان أفضل مشاركات مونديالية في تاريخهما. ورغم خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين، إلا أن آلاف الجماهير استقبلته بالأعلام والأغاني، في بادرة تقدير لمن أمتع المشاهدين بأداء بطولي متميز. أما المنتخب المغربي فلم يعد الوصول إلى الأدوار المتقدمة مفاجأة عابرة، فقد بلغ المنتخب ربع النهائي للمرة الثانية على التوالي، وسطر مكانته كمنتخب عربي منافس يحظى بالاحترام.

تلك الحكايات هي ما يبقى في الذاكرة حين تنتهي البطولة. فالمونديال لا يجمعنا حول الكرة وحدها، بل حول الضحكات والخوف والحماس، لنبني ذكريات مشتركة دافئة مع أشخاص ربما لم نجد طوال العام عذرا كافيا للجلوس معهم.

ربما لا يكمن جوهر المونديال في الفريق الذي سيتوج بالبطولة، بل فيما سنفعله في اليوم التالي لانتهائه. هل سنحتفظ بأي من هذه العادات؟ بهذا التجمع العائلي الدوري، أو لقاء حول فنجان قهوة لا تؤجله الانشغالات، أو اتصال غير مؤجل ولغير حاجة ملحة؟ ربما لهذا استطاعت الكرة، في لحظات نادرة، أن تفعل ما عجزت عنه السياسة والحروب. فالذي جمعنا لم يكن المستطيل الأخضر وحده، بل حاجتنا الأزلية أن نلتقي.

جنود عام 1914 لم يستطيعوا الاحتفاظ بهدنتهم، فقد أعادتهم الحرب إلى خنادقهم. أما نحن، فلله الحمد لا حرب تجبرنا على العودة إلى خنادقنا الصغيرة. هؤلاء الذين جلسوا إلى جوارنا يشاركوننا أوقاتا مليئة بالحماس والبهجة خلال المونديال، يستحقون أن نتقارب معهم دوما.. ولمدة أطول بكثير.