جنة الأطفال منازلهم
الخميس - 16 يوليو 2026
Thu - 16 Jul 2026
ما زلت أذكر تلك العبارة التي كانت تتذيل بطاقات دعوات الأفراح قديما «جنة الأطفال منازلهم»، كنت أجدها اعتذارا غير مهذب لعدم اصطحابنا.
كانت العبارة تستفزني، ربما أشعرتني بأن عالم الكبار مختلف، وهنالك متعة لا يحق لي الاقتراب منها. وربما لأنها كانت تمنح المناسبة هالة من الغموض، فتزداد رغبتي في حضورها. وقد يكون السبب أنني كنت أرفض فكرة أن هناك مكانا أجمل من أي احتفال، ثم يقال لي إن ذلك المكان هو المنزل.
مع مرور السنوات اختفت بطاقات الدعوات، وحلت الرسائل الالكترونية السريعة، واختفت معها تلك العبارة التي كانت تثير فضولي لكنها لم تختف من الذاكرة، بل عادت إلي اليوم بمعنى مختلف تماما.
تساءلت: هل ما زالت منازلنا حقا جنة للأطفال؟
في الإجازات أصبح كثير من الأطفال يضيقون ذرعا بالبقاء في المنزل، وإن جلسوا فيه استسلموا لشاشات الأجهزة اللوحية، حتى غدت غرفهم عالما افتراضيا لا يعرف الضحكات الحقيقية ولا دفء اللقاءات. أما الخروج فأصبح هو الجنة المنتظرة؛ للأسواق، والمطاعم، والملاهي، وحتى المقاهي التي كانت في زمن مضى ملتقى للكبار فقط. أصبح الكبار يصطحبون أطفالهم إليها غير عابئين بخطر التدخين أو التقاط عبارات لا تليق بمرحلتهم العمرية.
الحقيقة أن الطفل لا يهرب من المكان، بل يهرب من الفراغ. فالبيت الذي يخلو من الحوارات والمشاركات، ومن الجلسات العائلية، والحميمية الوالدية، يتحول لمجرد جدران.
أتذكر كيف كانت بيوتنا قديما تصنع الفرح من أبسط الأشياء. (لعبة الأوادم) و(لعبة صف المخدات والانزلاق عليها)، وجلسة شاي يشارك فيها الجميع، وقصة ترويها الوالدة، ومنافسة بريئة بين أبناء العائلة، لم نكن نملك كل وسائل الترفيه التي يملكها أطفال اليوم، لكننا كنا نملك شيئا أثمن من ذلك جميعه؛ كنا نملك الوقت مع من نحب.
الأطفال لا يحتاجون لبرامج مكلفة بقدر حاجتهم لوالدين يمنحانهم ساعة من الاهتمام الكامل، ولا لألعاب جديدة بقدر حاجتهم لذكريات جديدة.
المنزل قادر على أن ينمي مواهبهم بالرسم، والقراءة، والألعاب الذهنية، والأعمال اليدوية، والطبخ، والزراعة، وحتى بالمهمات المنزلية الصغيرة التي تغرس فيهم المسؤولية والثقة بالنفس. وكل لحظة يقضيها الطفل في بيته يشعر فيه بالاحتواء، تترك أثرا في شخصيته وسلوكه لا تصنعه آلاف الساعات أمام الشاشات.
ربما لم أكن أعي تلك العبارة وأنا صغير، لكنني اليوم أجدني أتمنى أن تعود بمعناها الحقيقي، لا أن تتم كتابتها أسفل بطاقة الدعوة، بل في تفاصيل بيوتنا. أن يعود المنزل مكانا يشتاق إليه الأطفال، لا سجنا يقيدهم بالأغلال.
حين يمتلئ البيت بالمودة، وتصنع فيه الذكريات، يكبر الأطفال وهم يحملون في قلوبهم يقينا جميلا بأن أجمل الأماكن لم تكن مدينة ألعاب، ولا مركز تسوق، ولا مقهى، بل كانت منازلهم العامرة.
عندها، تصدق العبارة التي كانت تستفزني يوما، وتصبح حقيقة يعيشها أطفالنا بكل حب «جنة الأطفال منازلهم».
Yos123Omar@