ماذا لو توقفت عند الرفض الثاني عشر؟
الأربعاء - 15 يوليو 2026
Wed - 15 Jul 2026
في زاوية دافئة من مقهى صغير بمدينة إدنبرة جلست امرأة تكتب روايتها الأولى، هربا من شقة باردة لا تملك كلفة تدفئتها. كانت مطلقة بلا عمل ثابت تعيش على إعانة اجتماعية بالكاد تكفي ضروريات يومها، وتحمل في داخلها شعورا ثقيلا بأنها ربما أصبحت أكثر شخص تعرفه فشلا.
لم يكن أحد يتخيل أن المرأة التي تكتب روايتها بشغف وبين يديها طفل صغير، ستصبح بعد سنوات واحدة من أشهر الكاتبات وأكثرهن تأثيرا وثراء في العالم. كانت تلك المرأة جوان رولينغ، وكانت الأوراق التي تنحني فوقها تحمل البدايات الأولى لقصة طفل يتيم يدعى هاري بوتر يتلمس طريقه في عالم السحر والخيال. أنهت رولينغ روايتها، ثم فعلت ما يفعله كل مؤلف يؤمن بفكرته: أرسلتها إلى دور النشر، وانتظرت.
وصلها الرفض. فأرسلتها إلى دار أخرى، وعادت إليها مرفوضة. ثم ثالثة ورابعة حتى بلغ عدد دور النشر التي لم ترحب بالمخطوطة اثنتي عشرة دارا. بعضهم رأى أن القصة طويلة أكثر مما ينبغي، وبعضهم لم ير فيها مشروعا تجاريا يسهل تسويقه، وربما لم يمنحها آخرون ما يكفي من الوقت ليكتشفوا العالم المختبئ بين صفحاتها.
لم تكن رسائل الرفض مجرد أوراق رسمية باردة. كانت كل رسالة منها تصيب المكان الأكثر هشاشة داخلها، وتفتح الباب لذلك الصوت الذي يعرفه كل من تعرض للرفض: العمل ليس جيدا بما يكفي للنشر رغم عملها عليه لسنوات من عمرها وسط أصعب ظروف حياتها. كان من السهل عليها أن تصدق ذلك الصوت، فقد كانت حياتها في تلك المرحلة تقدم لها أدلة كثيرة على الخسارة، ولم يكن لديها ما يضمن أن المحاولة التالية ستختلف عن سابقاتها.
لكنها قررت ألا تستسلم وأرسلت المخطوطة مرة أخرى إلى دار نشر صغيرة. وهنا تغيرت الحكاية، وأخذ أحد المحررين الفصل الأول إلى منزله حيث قرأته ابنته ذات الثمانية أعوام، وما إن انتهت منه حتى طلبت الفصل التالي فورا. أحيانا لا تحتاج الفكرة إلى لجنة طويلة من الخبراء، بل إلى قلب واحد يراها كما أراد لها صاحبها أن ترى.
نشرت الرواية، ثم جاء الكتاب الثاني فالثالث، حتى تحولت قصة الساحر الصغير إلى ظاهرة عالمية. سلسلة كاملة بيع منها أكثر من نصف مليار نسخة حول العالم، وتحولت إلى أفلام وحدائق ترفيهية ومسرحيات، وأصبحت جوان رولينغ قصة نجاح يعرفها الملايين.
غير أن الجزء الأهم في القصة ليس ما حدث بعد النجاح، بل ما حدث قبله. تلك المسافة المظلمة بين الرفض الأول والقبول الأخير. اثنتا عشرة «لا» لم تكن مجرد عدد يمكن ذكره في قصة ملهمة. كانت اثنتي عشرة مرة اضطرت فيها رولينغ إلى استجماع شجاعتها والمحاولة من جديد، اثنتي عشرة مرة كان بإمكانها أن تطوي أوراقها وتقرر أن الذين رفضوا الرواية يعرفون أكثر منها. ولو توقفت عند الرفض الحادي عشر، لما عرف العالم شيئا عن هاري بوتر.
قد تبدو قصتها استثنائية، لكنها تشبه في جوهرها قصصا نعيشها كل يوم. تشبه طالبا لم يقبل في الجامعة بالتخصص الذي حلم به طويلا، وموظفا تجاوزته الترقية رغم سنوات عطائه وسجل إنجازاته، وباحثا عادت إليه ورقته العلمية بالرفض، وصاحب مشروع طرق أبواب المستثمرين بلا فرصة لتبنيها.
الرفض، في لحظته الأولى لا يقول لنا: هذه المحاولة لم تنجح، إنه أكثر قسوة من ذلك. هو شعور الانكماش الداخلي حين يهمس ذلك الصوت الخفي بداخلك: أنت لست كفؤا ولن تنجح. وهنا تكمن خطورته؛ حين نخلط بين رفض تجربة وبين رفض ذواتنا، وبين تعثر فكرة وبين الشعور بانعدام قيمتنا.
لكن الرفض مهما بدا حاسما، ليس دائما حكما عادلا أو نهائيا. قد يكون نتيجة توقيت غير مناسب، أو رؤية محدودة، أو باب لا يشبهنا، أو شخص لم يستطع أن يرى ما نراه. وقد يكون أحيانا نجاة من طريق لا يناسبنا، أو دفعا نحو فرصة أخرى لم تكن لتظهر لولا أن الباب الأول أغلق.
ليس معنى ذلك أن كل فكرة مرفوضة عظيمة، ولا أن كل من يثابر سيحقق نجاحا أسطوريا. بعض الأفكار تحتاج إلى مراجعة، وبعض المحاولات تحتاج إلى تطوير، وبعض الطرق تستحق أن نغادرها. فالإصرار الحقيقي ليس تكرار الخطأ ذاته بعناد، بل القدرة على التمييز بين فكرة يجب أن نتخلى عنها، وفكرة تستحق أن نمنحها محاولة أكثر نضجا. فالثقة بالفكرة لا تعني تجاهل النقد، كما أن الإصغاء إلى النقد لا يعني تسليم مصائرنا للآخرين. الحكمة أن نتعلم من الرفض دون أن نسمح له بأن يعرفنا، وأن نراجع أدواتنا دون أن نهدم أنفسنا.
لم تنتظر جوان رولينغ حتى تختفي مخاوفها لتعاود المحاولة. أرسلت روايتها وهي خائفة ومتعبة ومثقلة بالشك، وتلك هي الشجاعة في صورتها الحقيقية. فالشجاعة ليست أن نواصل المسيرة بلا خوف، بل أن نمضي رغم أن الخوف يصاحب خطواتنا.
قد لا يكون خلف كل رسالة رفض نجاح بحجم هاري بوتر، وقد لا تنتهي كل محاولة بثروة أو شهرة. لكن المحاولة الجديدة تمنحنا شيئا لا يمنحه لنا التوقف: احتمالا آخر. ربما تحتاج فكرتك إلى تعديل أو إلى باب مختلف أو إلى شخص يقرؤها بعين أخرى. وربما تكون «لا» التي تؤلمك اليوم مجرد رأي عابر وليست الفصل الأخير من الحكاية، وقد تفتح لك فرصة من مكان لم تتوقعه، كطفلة قرأت فصلا وأحبته.
HibahAldosari@