التطورات الجيوسياسية الهامة
الثلاثاء - 07 يوليو 2026
Tue - 07 Jul 2026
لا شك بأن العالم بدأ يسود فيه نظام «التعدد القطبي»، رغم استمرار القطب الأمريكي (الوحيد سابقا) في المركز الأول. هناك الآن ثلاث قوى عظمى (أقطاب): أمريكا، الصين، روسيا. ومعروف، بأن العلاقات فيما بين الأقطاب كثيرا ما تحدد وضع السلام أو الحروب، في العالم، وفي أقاليمه الهامة. والعلاقات بين أي طرفين دوليين، تتأرجح دائما وأبدا بين ظاهرتين متناقضتين، هما: التعاون و/ أو الصراع. التعاون يحصل على حساب الصراع، والصراع يحصل عل حساب التعاون.
والتحليل الموجز للعلاقات فيما بين هؤلاء الأقطاب الآن، يكشف أن الصراع يسود العلاقات الأمريكية - الروسية، وكذلك العلاقات الأمريكية - الصينية. أما العلاقات الصينية - الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. وهذا ما دفع بعض المراقبين لتوقع قيام تحالف صيني - روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا / ناتو. وهو احتمال قد يقلب توازن القوى بالمنطقة والعالم رأسا على عقب. وهذا التحالف أصبح واردا، بعد التقارب الروسي - الصيني الأخير، وتطورات الأحداث السياسية العالمية.
مر الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وهو القرن الذي اعتبره الاستراتيجيون الأمريكيون «القرن الأمريكي»، الذين غمرتهم الفرحة الكبرى، التي تمثلت في انهيار عدوهم اللدود، الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الشرقي (حلف وارسو) عام 1991م. مما مهد الطريق لبزوغ «العصر الذهبي لأمريكا»، والذي تمثل في انفراد بلادهم، حتى سنة 2022م، بقمة العالم السياسية - الاقتصادية، لتصبح القطب الوحيد لمدة ثلاثين عاما متواصلة (1991-2022م). قبل أن يبدأ القرن الواحد والعشرين، كان أولئك الاستراتيجيون قد فرغوا من تحديد أهم الأخطار والتحديات التي ستواجه أمريكا في القرن الـ21 هذا. فتوصلوا، في بيان استراتيجية القرن الواحد والعشرين، إلى أن أبرز هذه الأخطار التي ستواجه بلادهم، والغرب بعامة، في هذا القرن، الذي سموه القرن الأمريكي، وبعد زوال الخطر الشيوعي، هي: الصين، وروسيا، والإسلام المتطرف. ولكنهم لم يتوقعوا أن تصعد الصين بهذه السرعة إلى قمة العالم، كقوة عظمى ثانية، تشارك الولايات المتحدة هذه القمة.
وفي رأي المراقبين، فإن روسيا قد لحقت بالصين، ليتأكد تحول المنتظم العالمي إلى نظام «الأقطاب المتعددة»، وينتهي، بذلك، «العصر الذهبي لأمريكا»... الذي تجسد في انفراد أمريكا وحدها لثلاثة عقود، بقمة النظام العالمي. سرعة صعود الصين فاجأت الأمريكيين. فبدأوا يعتبرون المارد الصيني العدو اللدود رقم 1، حتى مع تزايد التصعيد في أزمة أوكرانيا. وتراجعت حدة الأخطار الأخرى، أمام الخطر الصيني الماثل ضد الولايات المتحدة، وحلفائها. فهي قوة منافسة، تضارع قوة كل الغرب، وتتطلع لأن يكون لها دور ملائم في العلاقات الدولية. وهذا ما دفع أمريكا للمسارعة في محاولات الالتفاف على الصين، واحتوائها أولا، وقبل مواجهة أي طرف معاد آخر. لذا، عملت على توجيه جزء كبير من قواتها، وأدواتها لمنطقة المحيط الهادي، ومنطقة بحر الصين بخاصة.
وبالنسبة للمنطقة العربية (الشرق الأوسط) أصبح عليها أن تدرك أن للولايات المتحدة، شبه الحليف الانتهازي، منافسين أندادا، يريدون أن يشاركوا أمريكا في خيرات المنطقة. فالصين خاصة بحاجة ماسة لنفط وغاز المنطقة، عكس روسيا، والولايات المتحدة التي طالما اهتمت بالمنطقة لثلاثة اعتبارات، هي:
- انسياب نفط المنطقة إليها، وإلى حلفائها، بأقل تكلفة ممكنة.
- ضمان بقاء وهيمنة إسرائيل.
- محاربة التطرف الإسلامي.
وتهتم روسيا بالمنطقة، لعدة أسباب، أهمها: قربها من روسيا، وإمكانية الحصول فيها على موانئ دافئة، مثل ما حصلت عليه في طرطوس السورية، ولكون المنطقة مهمة لأمريكا، وبقية القوى الكبرى.
إن مجرد تواجد الصين بالمنطقة، بهذا الزخم الاقتصادي، يثير التوتر مع القوى الدولية الأخرى، وبخاصة الولايات المتحدة. ويتوقع أن يتفاقم هذا التوتر كلما توثقت علاقات الصين بدول المنطقة، واستتب نفوذها. الأمر الذي قد يدفع لحصول بعض الاحتمالات الصراعية الجذرية، في مسار السياسة الدولية بالمنطقة العربية.
أصبحت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا من النفط والغاز، وبالتالي لم تعد في حاجة مباشرة لهما. ولكنها تظل مصرة على التحكم في انسيابه لأصدقائها وأعدائها، والاستفادة من عوائده، قدر الإمكان. وتراجع العنف الإسلاموي، المصطنع أصلا. أما إسرائيل، فقد أصبحت قوة إقليمية عظمى، بما تمتلكه من أسلحة دمار شامل، ودعم غربي مطلق، قد يضمن هيمنتها على المنطقة مؤقتا، رغم أنها دولة احتلال بامتياز. فمع كل ما تمتلكه إسرائيل من عناصر القوة، تبقى، في أعين معظم شعوب المنطقة، كيانا غاصبا محتلا وكريها. وهذا ما يثير تساؤلات حول مستقبل هذا الكيان العدواني، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنه «لن يضيع حق وراءه مطالب جاد».
ولذلك، ستبقى أمريكا بالمنطقة، ولكن بزخم أقل، وشروط أشد. ستركز أمريكا، من الآن وصاعدا، على التواجد النشط في المحيطين الملاصقين للصين. ولا يتوقع أن تنشغل الصين بنفسها، داخل سورها. كما لا يتوقع أن تنعزل روسيا. إذ يبدو أن هؤلاء العمالقة الثلاثة باقون، كلاعبين أساسيين على الساحتين العالمية والإقليمية. وسيشتد تنافسهم على هذه المنطقة، الهامة جدا لثلاثتهم، مع تفاوت درجة الاهتمام لكل منهم.
ومهما كانت العلاقات فيما بين هذه الأقطاب، فإن أهل المنطقة، شعوبا ودولا، هم المسؤولون عن حماية أمن واستقرار واستقلال وتطور بلادهم. إذ عليهم، دائما ومهما كان وضع النظام العالمي السائد، أن يعملوا بجد وإخلاص وصدق لتقوية الذات، خاصة عبر «تطبيع» أوضاعهم السياسية، والتضامن البيني، لأقصى حد ممكن، ليضمنوا بقاءهم، دون دعم... من هذه الدولة العظمى، أو تلك.
وإن من مصلحة العرب (كأمة)، أن يتحول المنتظم الدولي إلى نظام التعدد القطبي. إذ إن ذلك سيسهل التحلل من ربقة بعض الأقطاب... عبر إمكانية الاستعانة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة للأقطاب المعادية، المؤذية للمصلحة العربية العليا. والمؤكد أن تضامن واتحاد العرب - إن حدثا - سيجعلان منهم قوة هامة، في أي نظام عالمي، وبصرف النظر عن ماهية ذلك النظام، وطبيعة المسيطرين فيه.