محمد علي الحسيني

فقه الاختلاف

الخميس - 16 يونيو 2022

Thu - 16 Jun 2022

الاختلاف ليس أمرا من صنع أو ابتداع البشر کما يتبادر لدى البعض، بل هو سنة وإرادة إلهية لا مناص منها، وإن الله تعالى قد أشار إلى هذا الموضوع بوضوح کما نرى في الآية الكريمة من سورة الروم «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين»، والأهم من ذلك أن الله عز وجل قد شدد على الاختلاف عندما قال في الآية الكريمة من سورة هود «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»، ولا ريب من أن الحكمة الإلهية التي فرضت الاختلاف على البشرية، قد کانت من أجل البشرية ذاتها.

الاختلاف سنة إلهية الهدف منها تحقيق التقدم وتفعيل التواصل وبلوغ التكامل

إن أهمية الاختلاف بين البشر تكمن بالدرجة الأولى في التواصل مع الآخر، وخصوصا من أجل اکتشاف الآخر وما عنده من تنوع وغنى، وبالدرجة الثانية؛ هو وسيلة لبلوغ التكامل، وإنه عز وجل قد خلقنا مختلفين لكي نتعارف لا أن نتصادم، ويأخذ كل واحد من الآخر لا أن نقصيه ونبيده ونسد الأبواب بوجهه، وبالدرجة الثالثة؛ هو تحقيق للتقدم والرقي، ذلك أن الإنسان إذا ما سار بطريق التكامل فإنه في طريق الرقي والتقدم.

الحديث عن ثقافة الاختلاف، هو حديث يطول ويأخذ في بعض الأحيان سياقا واتجاها أشبه بالجدل البيزنطي، ولا سيما أن الذي يبعث على الحسرة والألم أننا ما زلنا کعرب ومسلمين، أبعد ما نكون عن فقه الاختلاف، إذ إننا وفي الوقت الذي نردد فيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن الاختلاف، ونرکز عليها في الأمور والمسائل الظاهرية، نتجاهل عن قصد أو دون قصد المسائل الضمنية، حيث إننا في مجتمعاتنا ما زلنا نعيش إشكالية النأي بأنفسنا عن الآخر والتوجس ريبة من الانفتاح عليه والتعامل معه، والإشكالية ليست قائمة في التعامل مع معتنقي الأديان الأخرى أو مع الأعراق المختلفة في بلداننا، بل هي قائمة حتى بين المذاهب الإسلامية ذاتها، وهو الأمر الذي يعتبر بمثابة مصيبة ويشكل حالة خلل في المجتمع.

مراجعة نظرتنا لقضية الاختلاف ضرورة حتمية

عدم فهمنا الكامل لفقه الاختلاف کما يدعونا إليه ديننا الإسلامي، ولاسيما ونحن نطالع بين الفترة والأخرى الآية الكريمة من سورة الحجرات «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، هو ناتج لعدم فتح سبل المعرفة والتدبر في آيات الذكر الحكيم، فبدلا من تفهم واستيعاب المعاني السامية للآية وسحبها على أنفسنا، نجد كثيرين يعملون على عكس ذلك عندما يعتبرون اختلافهم عن الآخر يمنحهم الأفضلية، وهنا من المفيد أن نستشهد بقول لابن قيم الجوزية من کتابه (إعلام الموقعين) إذ قال «وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانهم».

نحن بحاجة ماسة لمراجعة نظرتنا وتعاملنا مع قضية الاختلاف وضرورة تصحيحها، ويكفي أن نشير إلى بلدان مثل فرنسا وسويسرا، حيث تتعايش أعراق وأديان ومذاهب مختلفة مع بعضها البعض بكل سلام واطمئنان.

[email protected]