X
روان آل عبد المتعالي

في معنى أن تكون ناضجا

الاحد - 17 يناير 2021

Sun - 17 Jan 2021

كن صامتا، تخفف من علاقاتك قدر الإمكان، لا تجامل، ولست مضطرا إلى سماع أي رأي غير رأيك واحترامه، واقض معظم الوقت بمفردك، وكن صديقا للكتب والقهوة وإن استطعت اقتناء قطة تغنيك عن رفقة البشر – فلا خير فيهم غالبا – وإن أقحمتك الظروف يوما في بيئة مليئة بالأشخاص قطب حاجبيك واحتقر بنظرة من عينيك من كانت اهتماماته سطحية ومضيعة للوقت، وإن طلب منك الحديث فتحدث بكلمات مقتضبة فأنت لا تحب التحدث كثيرا لأنك شخص ناضج.

نعم، هذا فيما يبدو هو معنى أن تكون ناضجا في هذا الزمن، ومثلما تم تشويه معان كثيرة كانت سامية وذات قيمة كالحُب على سبيل المثال، والأسرة، ومعنى أن تكون حرا، ومعنى الارتباط والصداقة والعلاقات الاجتماعية بكافة أشكالها، كان للنضج نصيب وافر من هذا التشويه. والحقيقة أن الوصف المنطقي لكل من يحمل هذه الصفات هو أنه شخص سيئ الطباع، يعاني غالبا من مزاج متعكر ربما لظروف حياتية صعبة كان ينبغي لها أن تصنع منه شخصا ناضجا بالمعنى الصحيح، لكنه جانب الصواب واختار أن يكون (نفسية) باللفظ العامي إن صح التعبير.







وإن سألتني عزيزي القارئ عن المعنى السليم لهذا المصطلح، فهو بكل بساطة أن تفعل عكس كل ما ذكرته سلفا من صفات وتصرفات. فلا الصمت علامة على النضج على كل حال، بل يعتمد الأمر على طريقتك في الكلام واختيارك لتوقيته، والمواضيع التي تخوض فيها، كأن تنأى بنفسك عن سفاسف الأمور وتتجنب إقحام أنفك في حياة الآخرين وخصوصياتهم، وألا تنتقد شخصا بعينه ما لم يطلب هو منك ذلك – وهذا ما لا يحدث غالبا – وإن كان ولا بد فمن النضج أن تفرق بين انتقاد شخص ما لذاته، وانتقاد تصرف قام به.

قطع العلاقات والتخفف منها ليس من النضج في شيء، ولست ضد الأمر أيضا فهو يعتمد على أسباب مختلفة لكل شخص، فأن يكون المرء اجتماعيا يحيط به عدد كبير من الأصدقاء أو أن يكون وحيدا، كلاهما لا يرتبطان بالنضوج بشكل مباشر، فيمكن أن يكون مجتمع الأول مغذيا لعقله ولأفكاره وله من الأصدقاء من يدعمه معنويا ويستمع إليه ويشجعه ويشاركه بعض اهتماماته – وإن لم يكن هذا الصديق في حياته نفسها ذا نفع – وقد يختار الشخص العزلة دون نفع يُرجى ولا نضج يُلاحظ. وقس على ذلك بقية الصفات المذكورة، فلا المجاملة عندما يستدعي الأمر ولا الابتسامة بدلا من تقطيب الحاجبين ولا الإسهاب في الكلام وتقبل الآراء – حتى ما كان بعضها شديد التعارض مع آرائك – تعطي انطباعا سلبيا تجاهك، بل على العكس تماما، ولن أضرب الأمثلة على أشخاص نعرفهم جميعا يملكون من سماحة الوجه وحسن المنطق ورحابة الصدر، وتراهم في مجالس عدة وفي حديثهم يسهبون ويكثرون القول فلا تمل من مجالستهم وسماعهم، لأن الأمر مرتبط بما تحتويه عقولهم من فكر واع ويترجمه لسانهم بأسلوب بالغ النضج. إضافة إلى أن النضوج يرتبط ارتباطا وثيقا بادئ الأمر بتقدير الذات وقبولها بمساوئها قبل مزاياها، والتصرف مع الحياة وظروفها المتقلبة بشكل سليم والنظر للأمور أيا كانت بزاوية المنطق بعيدا عن الأحكام المتسرعة والتصرفات الفورية.

وبالحديث عن محتوى العقل الناضج الذي بطبيعة الحال يكتسبه المرء - إضافة إلى التجارب الحياتية - من كثرة الاطلاع والقراءة، يعتقد كثير من الناس أنه بقدر ما يقرأ من الكتب يكتسب الوعي والإدراك، وليس الأمر بهذه البساطة، فالفكرة تكمن في أن المرء يُعْرَف مستوى نضجه من الطريقة التي يتعامل بها مع ما يستقبل من المعلومات وما يعيشه من التجارب وتلقيحها وتمييز ما يمكن الانتفاع منه عن سواه، وتشكيل وجهة نظره الخاصة بناء على ما يتلقاه من أفكار متنوعة ومتضادة ومتناقضة أحيانا.

الأكثر قراءة