X
زيد الفضيل

جهالة المتفذلكين.. الأقصى نموذجا

الاحد - 29 نوفمبر 2020

Sun - 29 Nov 2020

ساد لغط في الآونة الأخيرة حول موقع المسجد الأقصى، وما إذا كان في مكانه المعروف والمتواتر إنسانا بعد إنسان، وجيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، وهو الكائن في أرض مدينة القدس بفلسطين المحتلة، أو هو كما يزعم باحث يهودي واقع في أرض «جِعرانة» على بعد 20 كلم شمال شرق مكة المكرمة، والتي وزع فيها رسول الله غنائم معركة حنين، ومنها أحرم بعمرته الثالثة، وكان أن بنى المسلمون بعد ذلك مسجدا، وصار مكانا يَعتمرُ منه أهل مكة، اقتداء بعمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

والمؤلم أن مقولة ذلك الباحث اليهودي قد وجدت هوى في نفس الدكتور يوسف زيدان، ومنه إلى عدد ممن تبعه في وطننا إجمالا، دون أن يفكروا قليلا، أو يتثبتوا بمنهج تاريخي تحليلي لأصل المقولة وحقيقتها. والأدهى والأمر حين نجد قوما آخرين قد تشبثوا بطرح سفسطائي ودون أي منهج تاريخي أيضا، زاعمين أن موطن أنبياء بني إسرائيل الحقيقي كان في سلسلة جبال ووديان جنوب غرب الجزيرة العربية، وليس في أرض فلسطين المحتلة.

حقا هي المأساة بعينها حين يتم إقصاء أهل العلم عن الساحة، ويُستقدم عوضا عنهم من لا ناقة له ولا جمل، وهو ما أشرت إلى خطورته في مقالات سابقة بعنوان «فوضى المعرفة» التي يتم الترويج لها، والتأكيد لأن تكون سمة العصر القادم، وللأسف فلن يستفيد من ذلك سوى الكيان الصهيوني الساعي إلى تحويل تاريخنا الموثق والمعتمد إلى أسطورة مجهولة المصدر، ومعدومة الشاهد الأثري والمادي، في الوقت الذي يُحول فيه اليهود أسطورتهم المُتخَيلة إلى تاريخ يتم توثيقه واعتماده في غفلة منا وجهالة.

في هذا السياق أشير إلى أني كنت قد رددت على ذلك الباحث الإسرائيلي في محاضرة ألقيتها في حينه، ونشرت الزميلة «عكاظ» تغطية لها يوم الاثنين 17 أغسطس 2009م، وأبنت فيها أن ورود اسم المسجد الأقصى قد جاء موازيا لاسم المسجد الأدنى في ذات الموقع، كما أن المكان لم يحظ بأي خصيصة تجعله متفردا عن سائر المواضع التي مكث فيها رسول الله، ناهيك عن أن زيارة النبي للموقع قد تمت بعد حادثة الإسراء بقرابة أحد عشر عاما، حين اتخذ من المكان المنبسط جغرافيا موقعا يوزع فيه غنائم معركة حنين، وبالتالي لم يكن للموقع أي قدسية دينية، كما لم يكن بعيدا من حيث المسافة عن مكة فيكون الإسراء إليه أمرا معجزا يفاخر به النبي قومه في وقته.

ولو تأمل زيدان ومن شايعه في الآية الكريمة لوجدوا أن حادثة الإسراء قد جاءت من قبيل الإعجاز المبهر، حيث أسري بالنبي من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى المبارك في ذاته وفيما حوله، وفي تصوري فقد جاء اللبس عند زيدان ومن شايعه من فهمهم الخاطئ لدلالة لفظة «المسجد» في الآية الكريمة، إذ فهمها زيدان ومن تابعه بدلالتها الحالية التي تعني ذلك المكان المخصص للعبادة، في حين دلت اللفظة على معنى «الأرض» مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا».

والواقع أني، وإن كنت أعذر المشايعين له لجهلهم، لا أملك سببا أبرر فيه جهل زيدان بمعنى ودلالة لفظة «المسجد» في الآية الكريمة، ولا سيما أنه العارف بدلالات اللغة ومعانيها، وباهتمام النبي لمخالفة ما كان عليه اليهود والنصارى؛ أولئك الذين قيدوا الصلاة مكانيا في معابد معينة، مبنية بشكل خاص، ويقوم على إدارتها كاهن مختص، ولا يستطيع أحد من أتباع الديانتين أداء صلاته إلا في رحاب تلك المعابد، وبنظر أولئك الكهان ورجال الدين، فجاء الإسلام ليحرر الناس من ضغط وتبعات ما يفرضه القيد المكاني من التزامات ومواثيق كهنوتية، إلى حرية وانطلاق الفضاء الكوني، فالله جل وعلا قريب من كل أحد، رحيم لطيف بعباده.

وهكذا لم يكن المقصود بلفظ «المسجد» أي المكان المخصص للعبادة، وإنما كان ولا يزال المقصود باللفظ أي الأرض، فيكون المراد أن الله قد أنعم على نبيه بأن أسرى به ليلا من الأرض الحرام إلى الأرض البعيدة، تلك التي حظيت ببركة الله من قبل، فكانت مكانا لعيش وولادة ومرور أنبيائه ابتداء بإبراهيم الخليل عليه السلام، وانتهاء بسيدنا محمد.

هكذا نفهم الآية بشكلها الصحيح، وهو ما عليه اليهود حاليا، الذين يعملون ليل نهار لاستحكام سيطرتهم المطلقة والمتفردة على بقعة كانت ولا تزال أرضا طاهرة، أطلق المسلمون عليها اسم «القُدس» بمعنى «الطُّهر». فهل من عاقل فيعي؟ وهل من واع فيدرك؟ والله المستعان.