X

أحمد الهلالي

موسوعة بلاد ثقيف بل منطقة مكة المكرمة!

الثلاثاء - 15 سبتمبر 2020

Tue - 15 Sep 2020

أهدى إلي الأديب عبدالرحمن بن حامد الثقفي ثلاثة مجلدات يجمعها غلاف بلاستيكي شفاف، أسماها (موسوعة بلاد ثقيف ترعة: تاريخية ـ جغرافية ـ ثقافية ـ لغوية)، تقع في 2140 صفحة، وقد ظلت بذلك الغلاف الشفاف الحافظ حتى يسر الله لي الإبحار عبرها قارئا قبل أيام، أتنعم بما أودعها المؤلف من نفائس معرفية، وما منحها من جهد عظيم قلما تجده في أشباهها من المؤلفات، فقد اتخذ العلمية والموضوعية طريقا لا يبتغي غيرها، ما جعل منجزه التاريخي الثقافي منجزا ذا قيمة معرفية عالية، وسيكون موردا لكثير من الدراسات المستقبلية.

تتجلى دوافع المؤلف من خلال نص الإهداء: «إلى كل الأجيال القادمة، والتي تركت بلاد ثقيف وستتركها، أرضا ولغة وثقافة وعادات وتقاليد، أهدي هذا الكتاب»، وهي دوافع مبررة في ظل المدنية التي تكتسح أجيالنا، ويتجلى تأثيرها في الكثير من العادات والتقاليد واللهجات، وضياع أو اندثار الكثير منها، وحفظها في بطون الكتب واجبا على المؤرخين والأدباء، ما يجعلها مرجعا لتفسير الحقبة الزمنية التي أنتجتها، وستكون مفتاحا أمينا يفتح مغاليق الحقبة أمام الأجيال اللاحقة من مؤرخين وأدباء ومثقفين ونقاد.

إن كانت الموسوعة تخص ثقيف من ناحيتي التاريخ والجغرافيا، إلا أنها تتجاوز ذلك في شقيها الثقافي واللغوي، فهي تغطي المنطقة الممتدة بين محافظة الطائف شرقا إلى محافظة الليث غربا، والممتدة من مكة شمالا إلى القنفذة جنوبا، أي منطقة مكة المكرمة، وأجزم أنها تتجاوزها في بعض موضوعاتها، فقد اشتغل الثقفي على توثيق الأمثال وبعض القصص الشعبي، وتعمق في الشق اللغوي فأنجز معجما زاخرا بكم وافر من الألفاظ الدارجة في لهجات المنطقة المذكورة، واشتغل اشتغالا ماتعا على ذكر المقولات الدارجة في العادات الموروثة والمناسبات، والمسميات في العديد من الأنشطة الإنسانية خلال تعريفه بالتراث وما يحيط به.

أما في الشق الطبيعي فقد تعرض للنباتات والكائنات الحية بأنواعها، وكذلك الزراعة وما يحيط بها كالتقويم الثقفي الشهير، فقد كان يعمد إلى التوصيف الدقيق للنباتات، مستعينا بالمعجمات والمدونات التاريخية والثقافية العربية والمقولات، وحتى ذكر مجال الاستطباب بتلك النباتات، ولم ينقص الموسوعة ـ في رأيي ـ إلا تقنية (الصورة)، فلو زودها المؤلف بالصور لكان ذلك أبلغ وأنفع، للمقارنة بين مسميات (الكائن) الحيواني أو النباتي، أو حتى مسميات الأشياء المتعلقة بحياة الإنسان بين مختلف المناطق في المملكة وخارجها، ولعله يفعل حين ينشرها مستقبلا في كتاب الكتروني.

هذه الموسوعة فيها غناء ثقافي يحفظ موروثات شتى، ويثري الباحثين والقراء، وقد تمنيت ـ في سري ـ على أديبنا العزيز، لو اتجه إلى استقلال الموسوعة في شقيها الثقافي واللغوي عن الجانب التاريخي والجغرافي، مع أنها في هيئتها القائمة نافعة ناجحة، لكن انفتاحها واستقلالها سيعطيها شخصية أنجع وأنفع في رأيي.

أشكر الأديب الثقفي على إهدائه، وقبل ذلك على جهده المعرفي الجبار في إنجاز هذا السفر الثقافي النوعي المهم في بابه، وأرجو أن يفيد الباحثين في التاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والأركيولوجيا واللغات والآداب وعلوم الأحياء والنبات والبيئة من هذه الجهود في دراساتهم المقارنة أو تتبعهم لبعض القضايا البحثية من منطقة إلى أخرى، فبحسب ما تيسر لي من اطلاع وجدت العديد من المؤلفات في العديد من مناطق المملكة التي تضيء مثل هذه الجوانب التي أضاءتها موسوعة بلاد ثقيف.

@ahmad_helali

أضف تعليقاً

Add Comment