في كرة القدم، تلك اللعبة المجنونة التي تعصر الخصوم بنار القهر وتجرع الهزيمة والذل بكل أنواعه، يكمن أهم أسرار هزائمها الكارثية في استهانة الفريق ومحبيه بالخصوم، وعدم النظر لهم واقعيا، و«الطقطقة» عليهم، والتقليل من حجمهم، ومن قدرتهم على صنع المفاجأة.

وعلى الجانب الآخر، فإن تضخيم الخصم وإعطاءه قدرة بصفة مبالغ فيها يزيدان من غرور العدو، وربما يجعلانه ينام عن طلب الفوز، وأن يحتفل قبل صفارة النهاية بالنصر، وهو مخدر بغروره واستسهاله بما يقابل.

وفي تاريخ المعارك الحربية على مر العصور نجد المفهوم الكارثي نفسه يحدث للجيش الذي يفرط في غروره، ويقلل من قيمة عدوه، فينال من وراء ذلك الوبال العظيم، وهزيمة لا ينفع بعدها الندم.

وما أراه في أطروحات بعض المنظرين الخليجيين في وقتنا الحالي، لا يبعد كثيرا عن ذلك المفهوم المغرور، عندما يصفون في طروحاتهم حال إيران، المحاصرة اقتصاديا وسياسيا، وما يقال عن اهتزاز قيمتها عسكريا بعد ضرباتها الصاروخية الفاشلة على القاعدة الأمريكية في العراق، وعن فشل أجهزة تتبعها وأسلحتها وصواريخها البالستية، والتي أسقطت الطائرة الأوكرانية، فيجري تصوير ذلك بنوع من الاستهانة بالخصم وتخدير الذات، بطرق ساذجة لا تسعى للخير، ولا تبني للمستقبل وعيا نحتاجه في دولنا وحكوماتنا وبين شعوبنا.

لماذا لا نعتبر بعض إخفاقات هذا العدو عبارة عن كبوة، ولماذا لا يكون فيها نوع من الخديعة والادعاء لتخدير قواتنا، واستعداداتنا لما يتم مستقبلا؟ لماذا نريد أن نشعر أننا أرانب لا نحتاج للجري، وأن عدونا سلحفاة لن تصل ولا بعد ألف عام؟

الأمر مريب، فإما أن يكون مثل هؤلاء المنظرين كاذبون أو مغرر بهم، أو أنهم يسعون فعلا لإضعاف همم الدول الخليجية، وجعلها تفاجأ عما قريب بما يختبئ خلف تلك الأكمة.

العدو يجب أن يظل في أعيننا قويا حتى تطلق آخر رصاصة بيننا وبينه، ويجب أن لا نترك الأمر للأماني، والمشاعر المتفائلة التي لا يأتي الهلاك إلا من تبنيها.

إيران دولة صنعها المعتقد وقد عملت لمدة أربعة عقود لتنفيذ طموحاتها، فبنت جيشا ضخما للثورة وصنعت أسلحتها بنفسها وساعدها في ذلك غفلتنا.

إيران دولة تحولت لثورة إرهابية، وامتدت ميليشياتها المسلحة لتحتضن مئات الآلاف من العرب المغرر بهم بالأموال، والمذهب، والمظلومية، وتكفير المخالف، مما يجعل الشر متجذرا يصعب تلافيه في البلدان التي هيمنوا عليها وأصبحوا أجساما مضادة لشعوبها وحكوماتها، بإرهاب وصلف وغدر، وقدرات على القتل والهدم والتهجير والخيانة.

إيران صنعت مفاعلها النووي ومؤكد أن لديها أكثر من مفاعل، وهي على وشك صنع القنبلة الذرية، ولا يستبعد أي شر منها، فكيف نتكلم عن ضعفها وتهافتها!

إيران دولة شر مستطير تحارب وتخادع أعداءها، وتعتمد في ذلك على عدد من الدول العظمى التي تقف معها بوضوح كما روسيا، أو بالخفاء مثل دول عظمى شتى لا زالت تحاول إنقاذ المفاعل الذري وما ينالها من شراكات ومصالح.

كل كاتب أو مفكر يحاول التقليل من قوة إيران ليس إلا غراب البين، سيأتي عليه يوم وينكر ما قال، بعد أن تقع الفأس في الرأس، لا سمح الله، وواجبنا يكمن في تحفيز يقيننا وحكوماتنا وقواتنا وتسليحنا وشعوبنا، والاستعداد ليوم قمطرِير.

Shaheralnahari@