يهتم الناس بالمستقبل بشغف غريب، ويأخذ هذا الشغف أشكالا متنوعة، بعضها يزعم عقلانية، وآخرون يأخذونه بشكل غير عقلاني وجنوني، حتى يصل به الأمر للخرافة أو الأعمال والتصديقات اللامنطقية أو ما يشبه اللجوء للجنون حتى، كالسحر مثلا، أما على المستوى الطبيعي، فما تفسير الأحلام إلا شغف الإنسان بالمستقبل بأسلوبه الاجتماعي الديني، وهو إصابة من عشرات التخرصات التي يمكن أن تحدث.

ومفسرو الأحلام ما هم إلا مهووسون بما الناس تحبه أن يحدث لهم أو تخافه، وهو ما يتمحور حوله الإنسان، وهو ماذا سيحدث غدا وبعد غد وفي المستقبل، ولعل بعضهم يخطئون أو يكذبون، ثم ينسى الناس كذبهم أو تخرصاتهم، ثم يعودون، ومن سذاجة الناس أنهم لا يتذكرون إلا تلك الإصابات التي تمت بمحض الصدفة، ويركز بعضهم على ما تهواه جماهير الناس مثل مستقبل الاقتصاد أو كرة القدم، ويشاطر التنبؤ بالمستقبل غير العقلاني هوس متابعة التنجيم الذي لا ينقطع، وفي النهاية لم ينجح أحد إلا صدفة، تشبه صدفة اختيار الـ (صح والخطأ) في اختبارات التلاميذ، بل إن التنجيم أشبه بالعمل الخرافي الذي لا يصدقه إلا من تخلى عقله عنه!

وعَقَل الإنسان التنبؤ بعقال العلم، فجعله أحد أهدافه الرئيسية، وهذا جانب من ذكاء الإنسان، فخلق معادلات رياضية يمكنها أن تتنبأ، ولذلك جاء الاقتصاد في كل محاولاته العلمية للتنبؤ بالمستقبل، وتعداد أفضل ما يمكن أن يتخذه المدير من قرارات إنتاجية (في المستقبل)، أما الماضي فقد مات وفات، لا أحد يضعه في حسبانه!

إدارة المخاطر هي الأخرى محل تركيز، هي إدارات موجودة في كل القطاعات المالية والتأمينية، وهدفها أن تعين مديرا يعرف كيف يتنبأ بالمخاطر التي يمكن أن تكلف هذه المؤسسات مبالغ طائلة، فتدفع له مبالغ طائلة ليتجنب خسائر أكثر مما دفع له، فالتأمين في ساحل يمكن أن يصيبه إعصار تسونامي لن يكون مثل تأمين في منطقة هادئة.

والمخاطر البنكية في قطاع استثماري ليست مثل أختها في قطاع آخر، وهذا الهوس هو الذي يجعل الإنسان يبحث عن الأكبر، الأكثر، الآمن، الأحسن، وكل صيغ التفضيل الأخرى، من أجل مستقبل أفضل!

معرفة الطقس أيضا، لا أحد يبحث عما حدث من تقلبات جوية أمس، ما لم تحدث كارثة لتصب في مصب الأخبار لا في مصب التنبؤ بالطقس، فكل من ينظر للطقس ينظر لما هو بعد ساعة، أو يوم أو أسبوع، وهوس الإنسان البسيط الساذج لا يتوقف عند الطقس، بل قبل أن يشاهد كرة القدم يستمع للتحليل حتى يسمع تنبؤات المحللين قبل المباراة، ويسمع تبريرات كذبهم بعد المباريات، وهذه الدراما تتكرر كل يوم دون أن ينتبه لها أحد بسبب شغف الإنسان بالمستقبل!

التخطيط الإداري هو عملية تنبؤ أيضا، والإشكالية في التخطيط أنه لم ينجح أحد فيه إلا صدفة، ولذلك هو يشرح الخطط بعد النجاح لا قبله، مثل ستيف جوبز وبيل جيتس وغيرهما، فنحن لا نعرفهم إلا بعد نجاح خططهم الإدارية والمالية، ولو قدر أن شرحوا لنا فكرة نجاحهم قبل النجاح لربما ضحكنا عليهم ولم ينجحوا أو حاربناهم ولم ينجحوا أو أنهم هم من تلقاء أنفسهم فشلت خططهم، وفي كل الحالات لم ينجحوا.

والزواج كله مستقبل في مستقبل، خطط وأحلام وأفكار، وينتهي بواقع أسري، قد يكون لطيفا وقد يكون مريرا ولا يشبه الأحلام التي رسمت له، ويبقى كما قيل عنه «الحلم فيه أجمل منه!».

وفي المثل الإنجليزي الحكيم الذي يفسر الحدث قبل وقوعه لا بعد وقوعه «شغفنا بالمستقبل يكاد يقتلنا ويحيينا معا»!

Halemalbaarrak@