منذ زمن لم أسافر مستخدما خطوط الطيران، وهذا لا يعني أنه أصبح لدي مركبة فضائية خاصة، لكني لم أعد أسافر خارج السعودية، وآخر مرة خرجت فيها من السعودية إلى دولة غير دول الخليج العربي كان ميسي لا يزال في فريق الناشئين.

وأما داخل السعودية فإن السفر بالسيارة أقل تكلفة، وأنا ـ كما تعلمون ـ رجل أحب الأموال وأجمعها ولست مستعدا لخسارتها لمجرد أني أريد الانتقال من مكان إلى آخر بشكل أسرع.

وخلال الفترة التي توقفت فيها عن استخدام الطائرات لم أسمع أي شكاوى، وعلمت أيضا أن الخطوط السعودية لم تعدد تتفاجأ بالمواسم كما كانت تفعل طوال عمرها المديد الذي عاصرته وجربته وعايشته.

لكن السعادة ليست من الأشياء المعمرة، بل إنها من أقصر الكائنات عمرا، وشاءت الأقدار أن أعود لاستخدام خطوط الطيران قبل أسبوعين مضطرا، وربما لأن تلك الخطوط خشيت ألا أعرفها فقد أظهرت وجهها القديم وقالت لي لا تصدق الإشاعات، لا زلت أنا كما عرفتني تتأخر رحلاتي وأكدس المسافرين وتفاجئني المواسم والأشياء التي تحدث سنويا. وحقيقة أن هذا أشعرني بالألفة، وبأن غيابي لم يكن طويلا مع أنه كان كذلك، وهذا شعور طبيعي يحدث بين الأحبة عند اللقاء بعد طول غياب، يشعرون وكأنهم لم يفترقوا إلا منذ ساعات، وتعود الذكريات من كل حدب وصوب ويصبح اللقاء أكثر حميمية وفيه مسحة من «أسى شفيف».

والناس ربما يلومون بعض خطوط الطيران الوطنية على تكديسها للمسافرين وتعطيل رحلاتهم وتأخيرها وعدم احترام آدميتهم ومحاولة «التذاكي» وغمطهم حقوقهم. وهذا لوم في غير محله، فكل ما تسعى إليه هو أن يستشعر الناس في هذا الشهر الفضيل معنى الحديث الشريف «السفر قطعة من العذاب»، صحيح أنها ـ أي الخطوط ـ لا تساعد الناس على استشعار الجزء الثاني من الحديث «فإذا قضى أحدكم نَهمتَه من سفره فليعجل الرجوع إلى أهله» لكنها تحاول جاهدة الاجتهاد في الجزء الأول منه.

وعلى أي حال..

يقولون ـ لا أعرفهم ـ إن حل أي مشكلة يبدأ بالاعتراف بوجودها، ومن السهل الاعتراف بالأسباب الحقيقية وراء الأزمة الأخيرة، ومعالجتها، ولست أفهم الهوس غير الطبيعي باختراع مشكلات غير موجودة وتجاهل المشاكل الحقيقية، الشفافية والصدق قد يعطيان مشاكلك الحد الأدنى من القبول لدى الناس، لكن ارتكاب خطيئة اللف والدوران واستغفال الناس لا تجعل الناس يصدقون حتى الحقائق التي قد تقولها، وهذه قاعدة تنطبق على الجميع، سواء كانوا خطوطا أم بشرا.

agrni@