X

عبدالله زايد

أهلا بكم في العالم الواحد

الاثنين - 25 فبراير 2019

Mon - 25 Feb 2019

دون شك البشرية تتجه نحو أنماط جديدة في الحياة، وتأخذ أشكالا غير مألوفة وغير معهودة في التعامل والتعاطي، بل باتت المشاكل وهموم الإنسان متغيرة ومختلفة عن تلك الهموم التي كان يعانيها الإنسان في حقب وعصور ماضية، على سبيل المثال إنسان ما قبل الحضارة كان ينتظر الأمطار لتسقي ثماره ومحاصيله، وكان يشغله تزايد الطيور التي تتغذى على تلك الثمار، وتجد أن همومه تدور في دائرة الغذاء والمأوى والأمن، وجميعها تتطلب الحل والمعالجة لأن المسألة تتعلق بشكل مباشر بالحياة والموت.

هموم إنسان ما قبل الحضارة كانت تختلف من بقعة جغرافية إلى أخرى، فقد كانت للبيئة الكلمة العليا في جعل تلك الهموم في حدها الأدنى أو الأعلى، وبالتالي كانت رحاب الأرض مفتوحة الأرجاء يمكنه الهجرة وتغيير مكان سكنه وعيشه بكل بساطة، في الماضي كان الإنسان القديم عندما يطرد من عمله كأجير في الزراعة - على سبيل المثال - يمكنه أن يجد حلولا أخرى مثل الاحتطاب أو الرعي أو الصيد وتوفير الغذاء وأيضا الكساء، أو أن يجد مكانا آخر لمزاولة عمله في الزراعة، وفي اللحظة نفسها لا توجد عليه فواتير كهرباء وماء وهاتف ووقود للسيارة وإيجار للمكان أو البقعة التي يسكنها، إلى آخره من المتطلبات اليومية والشهرية والسنوية.

أما في عصر الحضارة ومراحلها المتعددة فقد ظهرت حاجات مختلفة تتمثل في الوظيفة والرعاية الصحية والمعرفة والابتكار والتقنيات والإدارة الحديثة والعمل في المستقبل وغيرها. واللافت في العصر الحاضر أن الهموم على تنوعها شاملة، بمعنى أوضح كوكبنا الأزرق صار أشبه بقرية صغيرة بشكل فعلي وعملي حتى في هموم الناس، على سبيل المثال في مجال العمل والوظيفة ستجد أن تطلعات الناس ومخاوفهم تتشابه في مجال ندرة الأعمال وتزايد البطالة ودخول التقنيات والآلات الحديثة، في الوقت نفسه لا يجد الإنسان مخارج وحلولا متاحة على أرض الواقع. ببساطة إنسان الحضارة الحديثة لا يجد العمل ويعاني من شح الموارد المالية وتراكم الفواتير وتزايد المطالبات المالية المستحقة الدفع، وهو في اللحظة نفسها مكبل بقيود التنقل والحدود بين مختلف الدول.

هذه الحالة البائسة متشابهة - بدرجات متباينة - في معظم أرجاء الكرة الأرضية، إنه العالم الواحد، إنها القرية الكونية الصغيرة المتشابكة بالمصالح والأعمال والمهام وبالهموم والأحزان أيضا. هذا ليس تجديفا ضد التطور والتقدم والحضارة، إنما هي نظرة عابرة وسريعة لمكاسب البشرية، وتلك الخسائر المدوية التي تكبدتها لتصل إلى هذه المرحلة المتقدمة.

إن قيما إنسانية مثل العطف والتراحم والشفقة تكاد تنهار أمام قوة الحركة المادية وسطوة الواقع القاسي، قيم المحبة والتقبل والتعدد تغتال بشكل سافر حتى في تلك الأرجاء التي رفعت شعارات الحرية والترحيب بالآخر، وما يحدث هو تزايد في الكراهية وأعمال البغض والعنصرية، أمام قوة الإنتاج والعمل والركض نحو تحقيق الذات وتأمين النفس من تقلبات الأيام.

مثل هذه الحالة لن تبطئ من تقدم وتطور البشرية ومسيرتها نحو المستقبل، لكنها تؤشر إلى الحاجة لالتقاط الأنفاس ومراجعة واقع الناس من الجانب الإنساني والعمل على تعزيز القيم الجميلة كالمحبة والتعاون والإيثار والتقبل ومساعدة الآخرين.

@abdullahzayed

أضف تعليقاً

Add Comment