X

القضاء في الثقافة العربية

ربط أهل الأخبار «الحكم» بـ»الحكمة»، وجعلوا بينهما سببا ونسبا

ربط أهل الأخبار «الحكم» بـ»الحكمة»، وجعلوا بينهما سببا ونسبا

الخميس - 02 أبريل 2015

Thu - 02 Apr 2015

ربط أهل الأخبار «الحكم» بـ»الحكمة»، وجعلوا بينهما سببا ونسبا.
وقالوا: الحكمة: العدل في القضاء كالحكم.
والحكمة: العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليها والعمل بمقتضاها.
وجعلوا «الحكام» «حكماء»، لهم أقوال وأمثلة في الحكم وفي تهذيب النفس والعقل، حتى إنهم إذا ذكروا الحكام.
قصدوا بهم حكماء العرب في الجاهلية، وإذا تحدثوا عن الحكماء، عنوا من اشتهر وعرف وورد اسمه إلينا من حكام الجاهلية.
وذلك لأنهم ربطوا بين الحكم والحكمة.
ورأوا في الحاكم الرجل العادل البصير الحكيم الذي ينفذ إلى أسرار الأمور، ويعمل بحقائق الأشياء، فحكمه حكمة، وقوله مثلٌ يعمل به، لما فيه من عمق وتبصر ونفاذ إلى داخل الأشياء، لأنه صادر عن حكيم حليم راجح العقل، عقله فوق مستوى العقول، فهو حاكم وحكيم: «فيلسوف» «يفلسف» المعضل المشكل، والأمر المتنازع عليه المشتبه فيه، ويستنبط من كل ذلك نتائج منطقية تكوّن رأيه في الأمور وحكَمه وحكمته، حفظ بعضها أهل الأخبار فدوّنوها في كتبهم، وبفضل تدوينهم هذا وقفنا على هذه الأحكام.
ونجد في العربية جملة تؤدي معنى الحكم بين الناس، هي جملة: «القضاء بين الناس»، فالقضاء بين الناس، هو الحكم بينهم، ويقال لمن يقضي بينهم: «القاضي»، والقاضي هو القاطع للأمور المحكم لها، وهو الحاكم، و»القضاء» «الحكم»، و»قضاة العرب» هم «حكام العرب» على هذا التفسير.
وقد أقرّ الإسلام بعض الأحكام الجاهلية، وهذّب بعضاً آخر، ونسخ بعضا وحرمه ويقيدنا هذا الإقرار أو التهذيب أو التحريم والمنع في الوقوف على النواحي القانونية عند الجاهليين، ومعرفة معاملاتهم.
ومن هذه الأمور المذكورة ما يدخل في باب العقوبات والجزاء، ومنها ما يقع في المعاملات المدنية بين الناس، كما تفيدنا المصطلحات الفقهية القديمة كثيراً في تكوين رأي في أصول التشريع عند الجاهليين.
وقد جعل «اليعقوبي» «الأفعى الجرهمي»، أقدم حاكم حكم بين العرب.
فقال: «وكان أول من استقضي إليه فحكم، الأفعى بن الأفعى الجرهمي، وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم، وهو كذلك من أقدم حكام العرب في أغلب روايات أهل الأخبار».
هذا النص من كتاب «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» لجواد علي، وأنا أوردته لأطرح على من قرأه سؤالا: كان هذا هو حال القضاء لدى أجدادنا قبل نحو ألفي سنة، فما هو حاله في مجتمعنا اليوم؟ هل تقدمنا الألفي سنة الماضية؟