قلنا منذ موووبطي: إن سيدنا/ «الحسن بن هانئ»، واسمه الحركي (أبونواس) كان يقصد الأمير الشاعر/ «محسن الهزاني» بقوله متضرعاً إلى أرحم الراحمين: إن كان لا يرجوك إلا «محسنٌ» * فَبِمَنْ يلوذُ ويستجيرُ المُجرمُ؟
تولى «محسن (ت 1210هـ)» وراثياً إمارة «الحريق» فترة، ولكنه ضحَّى بالمنصب والجاه مقابل أن يكون شاعراً حراً، يهيم خلف «مبسم هيا» في كل وادٍ (ومبسم «هيا» له في الظلام اشتعالا * بين البروق وبين مبسم هيا فرق)! وقد أدى تفرغه لفنه إلى أن يكون من المبدعين المجددين المبرِّزين، مؤكداً نظرية (عمنا طه حسين): بأن «كبار الشخصيات» هم (كما يفترض) الأكثر إبداعاً لعدم انشغالهم بالجري وراء لقمة العيش؛ بدءاً بالملف العلاقي الأخضر، وانتهاءً بمعاش التقاعد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع! وقد عرف «محسن» بكثرة المعجبات؛ وإن صحَّ أن حظوته لدى النساء لم تكن بسبب شعره الغزلي، وإنما استجابة لدعائه الله تعالى (بالغناة والثبات وتسخير البنات)! فهذا يعني أن الزميل (النواسي) مؤمن مستجاب الدعاء (من يومه)! وهو ما تؤكده أشهر قصائده (الاستغاثة) بمناسبتها الجميلة: حيث تداعى أهل «الحريق» لصلاة الاستغاثة، وكتموا الخبر عن «محسن»؛ لأنه في نظرهم فاسق مارج «اسم الله عليهم»! ولم يأخذوا عليه سوى شعره الغزلي، ولكنهم (مثلنا اليوم وأمس وغداً) لا يفرقون بين «الشخص» (الأمير النبيل ابن الحمولة العريقة)، وبين المبدع الفنان الذي يقول ما لا يفعل! المهم (واخصرك من قولهم يا فلان): أنهم استسقوا بدونه ولم يمطروا! فلما علم «محسن» بـ(تصنيفهم) جمع ما استطاع من الأطفال والحيوانات، وأمَّهم في الهواء الطلق، مبتهلاً بالقصيدة الشهيرة ومطلعها: (دع لذيذ الكرى وانتبه ثم صلْ)، فلم يكمل ابتهاله إلا و»حسن كراني» يذيع «بشائر الخير والبركة»، مع أطيب الأماني، و»أفراح وتهاني» مع «عوض القحطاني»!!
وكلما دُعينا لصلاة الاستسقاء كان السؤال: كم خطيباً استغاث الله بقصيدة «الهزاني» عميقة المعاني والموسيقى (واسمعها بصوت الراوية الجميل/ «محمد الشرهان»)؟ وكم أهل حيٍّ استسقوا بالأطفال، أحباب الله الذين لم «يتدعشنوا»؟ وكم أهل قرية استسقوا بالحيوانات (الأكباد الرطبة)، التي لم تظلم، ولم تكذب أو تنافق، ولم تأكل أموال الناس بالباطل؟