كان العلَّامة المغربيّ الجليل عبد الهادي التَّازيّ سعيدًا بجمهرته رحلة الرِّحلات: مكَّة في مئة رحلة مغربيَّة ورحلة، ومنذ أضمر النِّيَّة على أن يؤلِّف جمهرته تلك، انقطع إليها، واختلف إلى خزائن الكُتُب العامَّة والخاصَّة، وطالع المطبوع مِنَ رحلات الحجّ المغربيَّة والأندلسيَّة والمخطوط مِنْها، حتَّى إذا تَمَّ له ما نُدِبَ إليه، أنشأ يكتب كتابة عالمٍ بصيرٍ بموضوعه، عارفٍ بدقائقه ومخبَّآته، وبَثَّ في أثناء الكِتاب الَّذي جاء في مجلَّدين اثنين رُوحه، فكان كِتاب أدب مثلما هو كِتاب تاريخ ورحلة، استوعب فيه ذلك العلَّامة الجليل رحلات الحجّ الأندلسيَّة والمغربيَّة مِنْ أقدم ما خَطَّه رحَّالةٌ، إلى آخِر ما كتبه الرَّحَّالون المغاربة في العصر الحاضر، ويجلو لنا أسلوب التَّازيّ ناحية لها خطرها في الكتابة والإنشاء؛ ذلك أنَّ القارئ يكاد يُلِمُّ بحياة المؤلِّف، ويعرف طَرَفًا مِنْها، وكأنَّه يحاوره ويحدِّثه، وصار لنا مِنْه كِتاب أدبيّ، مهما كان كِتابًا في التَّاريخ والرِّحلات.

أنشأ عبد الهادي التَّازيّ كِتابه هذا في أحوال مختلفة مَرَّتْ به، وكان أخوف ما يخافه، حين لازم فراش المرض، أن «يخترمه الموت»، ولَمَّا يُتِمَّ كِتابه هذا، فأنشأ يقرأ الكُتُب والمخطوطات في أثناء نقهه، حتَّى إذا أَتَمَّ كِتابه، كان لنا مِنْه تلك الجمهرة الَّتي استوعب فيها كلَّ دقائق الرِّحلات الحجازيَّة، وأغنانا عنْ كُتُب أخرى أراد أصحابها مِنْ ورائها تلخيص تلك الرِّحلات، فكانتْ أعمالهم أشبه بالملخَّصات المدرسيَّة مِنْها إلى كُتُب العلماء.

وأنا أُعِيدُ إلى العلَّامة عبد الهادي التَّازيّ الفضل في مَدِّ الأواصر ما بيني وبين ثقافة الحجّ، وأنَّ جمهرته تلك وَثَّقتْ صِلَتي برحلات الحجّ، منذ ظهرتُ عليها أوَّل مرَّة، فعرفْتُ مِنْ أدب الحجّ وثقافته فوق ما عرَّفتْني إيَّاه أعمالٌ أخرى، وأراني أعود إليها مرَّة تِلْوَ مَرَّةٍ، وتُظْفِرُني، كلَّ ما قرأْتُها، بألوان جديدة مِنَ المعرفة، لمْ تُتَحْ لي مِنْ قَبْلُ، ومِمَّا زادني حُبًّا لهذه الجمهرة أنَّها لمْ تكنْ جافيةً صمَّاء، لكنَّ فيها ماء الأدب وروح الأديب، نمْسِك بهما في طُول الكِتاب وعرضه، حتَّى إذا استوفيْتُه ظهر لي صِدْق ما قاله في مفتتح كِتابه حين عَدَّ الحجّ «أكبر وأعظم وأهمّ مؤسَّسة قَدَّمها الإسلام للمسلمين أينما كانوا وحيثما كانوا، أعظم مؤسَّسة بما تشتمل عليه مِنْ تنوُّع زادٍ. كان الحجّ أبرز رسالة موجَّهة إلينا لمعرفة الآخَر، ولاكتشاف الآخرين لحوار الحضارات، مهما كتب النَّاس سواء كانوا مسلمين أوْ غير مسلمين أوْ غير مسلمين، فإنَّهم لن يَصِلُوا إلى استجلاء جميع جوانب هذه المؤسَّسة الحضاريَّة الكبرى».

تَبَدَّى لي الحجّ في كِتاب عبد الهادي التَّازيّ في كلّ أطواره، فعين المؤلِّف تقرأ في كُتُب الرِّحلة الحجازيَّة ما يجعلها كِتابًا واحدًا لا يغني أحدها عن الآخَر، وكأنَّما تلك الرِّحلات، مهما اختلفتْ في الأزمنة والأمكنة، نسيج واحد، يُفْضِي قديمها إلى الجديد، نَسِير في كلّ الطُّرُق الَّتي جازتْها القوافل، ونتوغَّل في الدُّرُوب والمسالك، نهبط واديًا، ونرقى جبلًا، ونَعْبُر صحراء، ويُسْلِمنا الجَمَل إلى السَّفينة فالطَّائرة، ونقرأ في جديد الرِّحلة قديمها، منذ أنْ خَطَّ أبو بكر ابن العربيّ، الفقيه المالكيّ سطرها الأوَّل، حتَّى رحلة التَّازيّ نفسه سنة 1378هـ=1959م، بلْ إلى جمهرته هذه الَّتي أخرجتْها المطبعة سنة 1426هـ=2005م، فكان الحجّ – بحقٍّ – «الحبل السُّرِّيّ» الَّذي يُمِدُّ الأُمَّة بأسباب النَّماء والحياة.

فوائد رحلة الرِّحلات لا حَدَّ لها، وليس مِنَ المبالغة في شيء أنَّه أقام معرفتي بالحجّ، فإذا بالكِتاب يجود عليَّ كلَّما عاودْتُ قراءته، في ضَرْب مِنَ التَّأليف يُذْكرنا بطريقة السَّلَف في التَّقصِّي والاستيعاب، مهما كان اليومَ غريبًا، وكان سَخِيًّا، كريمًا، يَهَبُني الألطاف، ويجلو لي المخبَّآت، في أمر الحجّ، وفي شؤون أخرى تتَّصل بالحجاز ومدينتيه المقدَّستين.

يقول عبد الهادي التَّازيّ: إنَّ الرَّحَّالين المغاربة والأندلسيِّين لَمَّا دخلوا المسجد الحرام بثُّوه صُنُوفًا مِنْ عبارات الشَّوق والحنين إليه، وأنَّهم لَمَّا رأوا الكعبة المشرَّفة هاموا بها، وأطلقوا عليها كلمة «العروس»، وخلعوا عليها الصِّفات الإنسانيَّة، وجعلوا يحدِّثونها وكأنَّهم إزاء كائن حيّ، بل امرأة جميلة حسناء تفنَّن العُشَّاق في وصف محاسنها، حتَّى صار الوصْف بـ»العروس» شائعًا متداولًا، في غير رحلة في القديم والحديث.

ويظهر لي أنَّ تشبيه الكعبة المشرَّفة بـ«العروس» يرتفع إلى زمن الرَّحَّالة ابن جبير الأندلسيّ (540-614هـ)، حين قال:

«فألفَيْنا الكعبة الحرام عروسًا مجلوَّةً مزفوفةً إلى جَنَّة الرَّضوان محفوفةً بوفود الرَّحمن»، ونحن نعلم أنَّ الرَّحَّالين، في القديم والحديث، يلوذون بابن جبير، ولطالما انتفعوا برحلته، وتوسَّلوا بعبارته، فساغ أن يستمسكوا بهذا التَّشبيه الطَّريف، ويشيعوه في إنشائهم، حتَّى كأنَّ ابن جبير أحسن الرَّحَّالين تشبيهًا، كما كان امرؤ القيس أحسن الشُّعراء الجاهليِّين تشبيهًا، وأنَّه أوَّل مَنْ وقف واستوقف وبكى الدِّيار، كما كان الملِك الضِّلِّيل مِنْ قبله، فلا غرابة، إذنْ، أن يمتح مَنْ خلف مِنْ بعده مِنْ بئر تشبيهاته، وأن يرضوا مِنْه تشبيه الكعبة المشرَّفة بـ«العروس»، في أبيات الشِّعْر، وفي فصول النَّثر، فالقاسم بن يوسف التَّجيبيّ السَّبتيّ (ت 737هـ)، يأتي في رحلته الحجازيَّة بقصيدة لأبي القاسم خلف الغافقيّ، يصف بها الكعبة المشرَّفة:

اللهُ أَكْبَرُ لَاحَ بَيْتُ إلَاهِي

مُتَسَرْبِلًا خِلَعَ السَّنَا وَالجَاهِ

مِثْلَ العَرُوسِ بَدَا بِصَفْحَةِ خَدِّهَا

خَالٌ لَدَيْهِ شِفَاءُ ضَمّ شِفَاهِ

رأى الرَّحَّالون الكعبة المشرَّفة في موسم الحجّ، وقدْ شُمِّرَتْ أستارها، فاختلط سواد كسوتها ببياض باطنها، فزادها التَّشمير جمالًا، وخُيِّلَ إليهم أنَّ أستارها «بُرْقُعٌ» تُلقيه على وجهها، فتُبْدِي شيئًا وتُخْفي شيئًا، فتزيد في لوعة عُشَّاقها، وبينما عَدَّ المكِّيُّون، منذ القِدَم، رفع أستار الكعبة «إحرامًا» لها، رآها الرَّحالون «عروسًا» في بذلة عرسها، يزُفُّها الطَّائفون، حين يُهِلُّون بالتَّلبية، ولَمَّا حَجَّ خالد بن عيسى البلويّ سنة 731هـ، ووقف على ذلك المشهد المَهِيب، والكعبة في كامل زينتها، وقدْ تسربلتْ بأستارها، يحفُّ بها الطَّائفون، قال: «وحين تبدَّتْ لنا الكعبة الغرَّاء في أستارها، وتجلَّتْ لنا المليحة في حُلَل أنوارها:

وَضَعْنَا جِبَاهًا فِي الثَّرَى قَدْ تَهَلَّلَتْ

أَسَارِيرُها مِنْهَا وَزَادَ سُرُورُهَا

وَطُفْنَا بِهَا سَبْعًا وَزَمَّتْ ظِلَالَهَا

عَلَى خَائِفٍ مِثْلِي أَتَى يَسْتَجِيرُها!

ويلقانا في الحجّ موقفان؛ موقف الفقهاء، وموقف الرَّحَّالين مِنَ الأدباء، فأمَّا الفقهاء فبدَّعوا احتفال الحجيج، وحَمْلهم المشاعل والشُّمُوع، على ما رأيْناه في «مناسك» الإمام النَّوويّ، وأمَّا الرَّحَّالون فأطنبوا في وصفها، على ذلك النَّحو الَّذي نجده عند البلويّ الَّذي شَبَّه الهوادج «الَّتي تسيل في بطحاء مكَّة وشِعابها، وعن الإبل الَّتي زُيِّنَتْ بأنواع التَّزيين، فتراها تتهادَى تهادي العرائس في الكلل، وترفل في قلائد الذَّهب وأستار الدِّيباج في الحليّ والحلل، فلا تبصر إلَّا سُجُفًا تُسْحَب على وجه الأرض، وتشبه في وشيها وشي الرَّوض، خلائق تملأ في الطُّول والعرض».

واستمرَّ الرَّحَّالون، مِنْ بَعْدُ، في تشبيه الكعبة بـ«العروس»، فتبدَّتْ عند ابن بطُّوطة في القرن الثَّامن الهجريّ، «كالعروس تتجلَّى على منصَّة الجلال، وترفل في بُرْدة الجَمَال، محفوفة بوفود الرَّحمن، موصلة إلى جنَّة الرّضوان»، وجاء في أثره ابن الصَّباح، آخر الرَّحَّالين الأندلسيِّين، في القرن التَّاسع الهجريّ، ونقرأ عنده تشبيه الحَرَن بـ«العروس»، تتجلَّى في حليها.

فإذا تقدَّمَ بنا الزَّمان، نقرأ عند ابن مليح القيسيّ في القرن الحادي عشر الهجريّ استمرارًا لتشبيه الكعبة المشرَّفة بـ«المليحة الحسناء»، ذلك التَّشبيه الَّذي كُنَّا قدْ رأيناه عند البلويّ في القرن الثَّامن، وإذا بتلك البَنِيَّة الشَّريفة تُحَدِّث عشَّاقها شِعْرًا، فتقول:

إِلَيَّ إِلَيَّ يَا عُشَّاقَ حُسْنِي

فَهَذَا الوَقْتُ وَقْتٌ لَا يُضَاهَى

فَكَأْسُ الوَصْلِ لِي قَدْ دَارَ صِرْفًا

وَشَمْسُ جَمَالِهَا أَبْدَتْ سَنَاهَا

فَأَيْنَ يُصَابُ مِثْلُ عَرُوسِ حُسْنِي

وَمَا فِي الكَوْنِ مَعْشُوقٌ سِوَاهَا

وَقَدْ سَعِدَتْ عُيُونٌ قَدْ رَأَتْهَا

وَقَدْ شَقِيَتْ عُيُونٌ لَا تَرَاهَا

وفي أوائل القرن الثَّاني عشر الهجريّ نقف على وصْف الرَّافعيّ الأندلسيّ التَّطوانيّ لَمَّا رأى الكعبة المشرَّفة «وسط هذا الحرم الشَّريف وكأنَّها حوراء جُلِيَتْ في أعلى الفراديس»، على أنَّ عبد الهادي التَّازيّ يسوق إلينا طَرَفًا مِنْ تجلِّيات الكعبة المشرَّفة في الشِّعر الَّذي يدعوه المغاربة بـ«الملحون»، وفيه نقرأ قصيدة طويلة لسيدي سعيد المنداسيّ (ت 1150هـ)، مدح فيها الكعبة المشرَّفة، دعا تلك القصيدة «ليلى»، ونعْرف أنَّ شعراء «الملحون» يرمزون للكعبة بأسماء نسويَّة مثل: ليلى، وفضيلة، وشامة، ومالكة:

بِمَحبْتها القلوبْ تسلى

تسقي العاشقين خمرًا ختيم حلالْ

خلَّة ما كيفها خليله

بمحاسنها أهل الفضل تضرب الأمثالْ

ليلى! يا مَنْ يريد ليلى

أيا يا مَن ابغى نزوروا ذات الخالْ

ليلى يا زائرين ليلى!

استكنَّ تشبيه الكعبة بـ«العروس» في الرِّحلة المغربيَّة والأندلسيَّة منذ أبدعه ابن جبير الأندلسيّ في القرن السَّادس الهجريّ، وحين أظلَّ العصر الحديث الرَّحَّالين رأيْناه عند العلميّ الوزَّانيّ ابن حسُّون سنة 1269هـ:

«ولَمَّا دخلنا المسجد، ووقع بصرنا على الكعبة المشرَّفة خامرنا مِنَ السُّرور ما لا يخطر على بال، ونلنا مِنَ الحبور ما لا يكيَّف ولا يقال، ولسان مقالنا يحيِّيها ويمجِّدها، ولسان حالنا يعظها وينشدها:

مَرْحَبًا، مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا

بِعَرُوسٍ عَلَى المُحِبِّينَ تُجْلَى

لَبِسَتْ خِلْعَةَ الجَمَالِ وَرَاقَتْ

سَلَبَتْ لِلْمَشُوقِ قَلْبًا وَعَقْلَا

قَدْ هَجَرْنَا الدِّيَارَ وَالأَهْلَ شَوْقًا

وَقَطَعْنَا القِفَارَ وَعْرًا وَسَهْلَا

وَأَتَيْنَا شُعْثًا وَغُبْرًا نُلَبِّي

وَدُمُوعُ الأَشْوَاقِ تَزْدَادُ هَطْلَا

وآخِرُ رحلة شُبِّهَتْ فيها الكعبة بـ«العروس»، مِمَّا وقفْنا عليه في جمهرة عبد الهادي التَّازيّ رحلة الرِّحلات، هي رحلة محمَّد بن عليّ بن أحمد دِنْيَة الرِّباطيّ، سنة 1327هـ:

«وقدْ كثرتْ أشواقنا وعظمتِ الهيبة، فشاهدْنا – ولله الحمد – الكعبة، وبدا لنا بديع جمالها، ورُفِعَتِ الأستار، ونادتْ بلسان حالها: مرحبًا بكم وأهلًا أيُّها الزُّوَّار، فلكم البُشْرَى والسَّعادة دنيا وآخرة:

وَقَالَتْ: دُونَكُمْ قُرْبِي تَمَلَّوْا

تَرَوْا بِجَنَابِهَا عِزًّا وَجَاهَا

فَأَيْنَ يُصَابُ مِثْلُ عَرُوسِ جِنْسِي

وَمَا فِي الكَوْنِ مَعْشُوقٌ سِوَاهَا

وَقَدْ سَعِدَتْ عُيُونٌ قَدْ رَأَتْهَا

وَقَدْ شَقِيَتْ عُيُونٌ لَا تَرَاهَا!».