في كلِّ رحلة حجٍّ تختبئ قصيدة، وخَلْفَ كلِّ حاجٍّ شاعرٌ بالقوَّة، والرُّوح والشِّعْر يصدران مِنْ مَعِينٍ واحد، فإذا بلغ الحاجُّ البيت الحرام، واستقبل الكعبة المشرَّفة غاب النَّثر وحضر الشِّعْر، وكأنَّما كان الطَّريق الطَّويل يُعِدُّه لتلك السَّاعة الَّتي يلتقي فيها الحبيب حبيبه، فتسيل الكلمات حارَّةً حيَّةً على مَسِيل بطحاء مكَّة المكرَّمة، وتُسْكَب العَبَرات، وتتَّحِد أشواق الحجيج مهما اختلفتِ الكلمات واللُّغات، وكأنَّ لسان حالهم كلمات ابن بطُّوطة حين استذكر وقفته تجاه الكعبة المشرَّفة فقال:

«ومِنْ عجائب صُنْع الله تعالَى أنَّه طَبَع القلوبَ على النُّزُوعِ إلى هذه المشاهد المُنيفة، والشَّوق إلى المُثُول بمعاهدها الشَّريفة، وجَعَلَ حُبَّها متَمكِّنًا في القلوب فلا يحلُّها أحدٌ إلَّا أخذتْ بمجامِعِ قلبه، ولا يفارقها إلَّا آسِفًا لفراقها، متولِّهًا لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويًا لتكرار الوِفَادةِ عليها، فأرضُها المباركة نُصْب الأعين، ومحبَّتُها حشْو القلوب، حكمةً من الله بالغة، وتصديقًا لدعوة خليله عليه السَّلام، والشَّوق يُحْضِرُها وهي نائيَة، ويُمَثِّلها وهي غائبة، ويَهُون على قاصدها ما يلقاه مِنَ المَشَاقّ ويُعانيه مِنَ العَنَاء، وكم مِنْ ضعيفٍ يرى الموتَ عيانًا دُونَها، ويُشاهد التَّلفَ في طريقها، فإذا جمع اللهُ بها شملَه تَلَقَّاها مسرورًا مستبشرًا كأنَّه لم يَذُقْ لها مرارة، ولا كابَدَ مِحنة ولا نَصَبًا، إنَّه لأمرٌ إلهيّ، وصُنْع ربَّانيّ، ودلالة لا يَشوبها لبْس ولا تَغْشاها شُبْهة، ولا يَطْرقها تمويه، تُقَوِّي بصيرة المستبصِر وتُسَدِّد فِكْرة المتفكِّر. ومَنْ رزقه الله تعالَى الحُلُول بتلك الأرجاء والمُثُول بذلك الفِنَاء، فقدْ أنعَمَ الله عليه النِّعمة الكبرى، وخوَّله خير الدَّارَيْن: الدُّنيا والأخرى، فَحَقَّ عليه أن يُكْثِر الشُّكر على ما خَوَّله، ويُديم الحم على ما أولاه».

عَرَفْنا الرِّحلة إلى الحجّ نثرًا، لكنَّ التَّاريخ ينبئنا عنْ رحلات نظمها أصحابها شِعْرًا، وبينما حَجَّ أناسٌ واستقبلوا البَنِيَّة المشرَّفة، فلمَّا عادوا إلى أوطانهم وضعوا الكُتُب يصفون فيها المَشاهد والبقاع = إذا بآخرين لمْ يكتب الله – تبارك وتعالى – لهم أن يحجُّوا ويزوروا تلك الأمكنة الشَّريفة، لكنَّهم أرسلوا كلماتهم، فنابتْ عنهم، وكنتُ أظنُّ أنَّ الشَّاعر محمَّد إقبال كان فريدًا حين أنشأ قصيدة طويلة حَجَّتْ فيها كلماتها، لَمَّا لمْ يُتَحْ له المثول في تلك الأمكنة المنيفة = فإذا بي أقرأ، بعد حين، أنَّ نفرًا مِنَ العلماء والشُّعراء والأدباء أنابوا كلماتهم ودفعوا بها إلى أقدس مطاف، فمِنْهم مَنْ أنشأ القصيدة، ومِنْهم مَنْ عقد فصلًا مِنَ النَّثر، أودعوا فيهما مِنَ الأشواق أحرَّها، ومِنَ الحُبّ أصفاه، وكان لنا مِنْ ذلك ضرْب مِنَ الأدب تَخَيَّلَ فيه أصحابه الحجّ، بلْ إنَّنا لنظهر على طَرَفٍ مِنَ الرَّسائل أنشأها أصحابها، فلمَّا أتمُّوها بعثوها مع قافلة الحجيج إلى القبر الشَّريف في المدينة المنوَّرة، وعُرِفَ الأندلسيُّون والمغاربة، دون غيرهم مِنَ المسلمين، بهذا اللَّون الطَّريف مِنْ أدب الشَّوق إلى الدِّيار المقدَّسة، وكلُّهم رجاء أنْ يُمَدَّ في الأجل، فيتمكَّنوا مِنَ المُثُول في أشرف العرَصَات.

كَتَبَ الباحثون، ولا سيَّما المغاربة، في هذا الضَّرب مِنَ الأدب، وساقوا إلينا جمهرة مِنَ العلماء والأدباء حَجَّتْ قصائدهم ورسائلهم عنهم، حين لمْ يستطيعوا أداء الرُّكن العظيم، ويكفي أنْ يشار، هنا، إلى تلك النُّصُوص البديعة الَّتي أوردها العلَّامة محمَّد المنُّونيّ في كِتابه حديث الرَّكب المغربيّ، وحسن جلاب في كِتابه أدبيَّات الشَّوق إلى البقاع المقدَّسة، يُضاف إليها النُّتَف الَّتي أظفرَنا بها العلَّامة عبد الهادي التَّازيّ في جمهرته رحلة الرِّحلات: مكَّة في مئة رحلة مغربيَّة ورحلة. وعلى اختصاص الأندلسيِّين والمغاربة بهذا النَّوع مِنَ الأدب، فإنَّ الأدب العربيّ يحفل بآثار شِعْريَّة ونثريَّة سلك فيها أصحابها هذا المسلك، فاصطنعوا الشِّعْر، وتخيَّلوا فيه أنَّهم حلُّوا في تلك الأمكنة الشَّريفة، وأنَّهم إنَّما يتحدَّثون إلى النَّبيّ، صلَّى الله عليه وسلَّم.

وعندنا، على ذلك، تائيَّة بديعة لأحمد شوقيّ، الَّتي أنشأها حين حجَّ الخديوي عبَّاس حلمي سنة 1327هـ، فنظم شاعره تلك القصيدة يبارك له حَجَّه، لكنَّه جاز ممدوحه، وجعل يصف ما تلجلج في صدره، وكأنَّما نابتْ تائيَّته عنه، حين لمْ يُقَدَّرْ لمنشئها الحجّ، فسارتْ تلك القصيدة في كلِّ رَجًا، ولَمَّا غنَّتْها أُمُّ كلثوم ردَّدتْها الألسنة مِنْ ورائها، وعسى القصيدة وعسى الأغنيَّة أنْ بَثَّتَا في مَنْ أصغى إليهما ألوانًا مِنَ الشَّوق إلى تلك الدِّيار، ولعلَّهما حين ألهبتا الأشواق كانتا سببًا في أنْ عزم غير واحدٍ على الحجّ إلى البيت العتيق:

إِلَى عَرَفَاتِ اللهِ يَا ابْنَ مُحَمَّدٍ

عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ فِي عَرَفَاتِ

وَيَوْمَ تُوَلِّي وجْهَةَ البَيْتِ نَاضِرًا

وَسِيمَ مَجَالِي البِشْرِ

وَالقَسَمَاتِ

عَلَى كُلِّ أُفْقٍ بِالحِجَازِ مَلَائِكٌ

تَزُفُّ تَحَايَا اللهِ والبَرَكَاتِ

ثُمَّ لا يلبث شوقيّ حتَّى يُلِمَّ بوصف الحجّ والحجيج، قبل أن يلتفت إلى نفسه، فيُنْهِي إلينا ألمًا استكنَّ في نفسه، لأنَّ الخديوي عبَّاس حلمي كان قدْ دعاه إلى الحجّ، فاعتذر، ونكاد نُحِسُّ حسرته وحُزنه وبُكاءه أنْ لمْ يستطعْ مصاحبة مولاه إلى تلك الأمكنة الشَّريفة، فكانتْ تائيَّته، الَّتي اختصَّه بها، قصيدة «اعتذار»، انطوتْ على تلك الحسرة الَّتي حلَّتْ به لقُعُوده عن الحجّ، فأنشأ يعتذر إلى خالقه – تبارك وتعالَى – بهذه الأبيات

دَعَانِي إِلَيْكَ الصَّالِحُ ابْنُ مُحَمَّدٍ

فَكَانَ جَوَابِي صَالِحَ الدَّعَوَاتِ

وَخَيَّرَنِي فِي سَابِحٍ أَوْ نَجِيبَةٍ

إِلَيْكَ فَلَمْ أَخْتَرْ سِوَى العَبَرَاتِ

وَقَدَّمْتُ أَعْذَارِي وَذُلِّي وَخَشْيَتِي

وَجِئْتُ بِضَعْفِي شَافِعًا وَشَكَاتِي

وفي القصيدة يتَمَنَّى شوقيّ لوْ أنْ سُخِّرَتْ له ناقة صالح، أوْ مُهِّدَتِ الطُّرُق بين مصر والحجاز، فتنهبها السَّيَّارات، أوْ لوْ أنَّ مطارًا يُدْنِي بعيد البِيد والفلوات، فلمَّا استيقن أنْ لا شيء مِنْ ذلك، آبَ إلى نفسه وكأنَّما تَهَيَّبَ الحجَّ، لَمَّا برزتْ له ذنوبه

وَيَا رَبِّ، هَلْ تُغْنِي عَنِ العَبْدِ حَجَّةٌ

وَفِي العُمْرِ مَا فِيهِ مِنَ الهَفَوَاتِ؟

لكنَّه سرعان ما يؤوب إلى نفسه، يريد تسكين روعها وبثّ الطُّمأنينة فيها، ويسوق أبياتًا جِمَاع ما فيها أنَّه، مهما كانتْ ذنوبه، لمْ يؤذِ أحدًا، ولمْ يضُرَّ إنسانًا، ولمْ يَبْغِ، وأنَّه يقابل السَّيِّئة بالحسنة، فإذا ما تأمَّلْنا تلك الأبيات وما غار فيها مِنْ هلع وخوف واعتذار = أحسسْنا أنَّ شوقيًّا لمْ يُرِدْ مِنْ ورائها إخبارنا بفضائله ومآثره، إنَّما أراد أمرًا آخَرَ؛ أن يُطَمْئِن نفسه، فهو لمْ يقعدْ عن الحجّ استهانةً به، أوْ لأنَّه لا يقيم للدِّين مكانًا في نفسه، وإنَّما مخافة الطَّريق الطَّويل والسَّفر الشَّاقّ، ونراه يرفع الدُّعاء إلى الله – تبارك وتعالى – ويُشْهده على حاله

وَتَشْهَدُ مَا آذَيْتُ نَفْسًا، وَلَمْ أَضِرْ

وَلَمْ أَبْغِ فِي جَهْرِي، وَلَا خَطَرَاتِي

وَلَا غَلَبَتْنِي شِقْوَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ

عَلَى حِكْمَةٍ آتَيْتَنِي وَأَنَاةِ

وَلَا جَالَ إِلَّا الخَيْرُ بَيْنَ سَرَائِرِي

لَدَى سُدَّةٍ خَيْرِيَّةِ الرَّغَبَاتِ

وَلَا بِتُّ إِلَّا كَابْنِ مَرْيَمَ، مُشْفِقًا

عَلَى حُسَّدِي، مُسْتَغْفِرًا لِعُدَاتِي

وَلَا حُمِّلَتْ نَفْسٌ هَوًى لِبِلَادِهَا

كَنَفْسِيَ، فِي فِعْلِي، وَفِي نَفَثَاتِي

جعل شوقيّ تائيَّته شِرْكةً بينه وبين ممدوحه الخديوي عبَّاس حلمي، وما إن يلوذ بنفسه، ويبثُّ بالشِّعْر ما استكنَّ في نفسه مِنْ ألم وبكاء، حتَّى ينتبه فيخصَّ ممدوحه بأبيات، ثُمَّ يعود، مرَّةً أخرى، يُرْسِل شوقه إلى تلك الأمكنة المنيفة، ويستشرف وقفة الخديوي تجاه القبر الشَّريف، تَحُفُّ به السَّكينة، وتعلوه المهابة، وهو يقبِّل المثوَى العطِر، ويسأله أن يبلغ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – هَمَّ الأُمَّة وشكواها:

إِذَا زُرْتَ يَا مَوْلَايَ قَبْرَ مُحَمَّدٍ

وَقَبَّلْتَ مَثْوَى الْأَعْظُمِ العَطِرَاتِ

وَفَاضَتْ مَعَ الدَّمْعِ العُيُونُ مَهَابَةً

لِأَحْمَدَ بَيْنَ السِّتْرِ والحُجُرَاتِ

وَأَشْرَقَ نُورٌ تَحْتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ

وَضَاعَ أَرِيجٌ تَحْتَ كُلِّ حَصَاةِ

لِمُظْهِرِ دِينِ اللهِ فَوْقَ تَنُوفَةٍ

وَبَانِي صُرُوحِ المَجْدِ فَوْقَ فَلَاةِ

فَقُلْ لِرَسُولِ اللهِ: يَا خَيْرَ مُرْسَلٍ

أَبُثُّكَ مَا تَدْرِي مِنَ الحَسَرَاتِ

شُعُوبُكَ فِي شَرْقِ البِلَادِ وَغْرْبِهَا

كَأَصْحَابِ كَهْفٍ فِي عَمِيقِ سُبَاتِ

بِأَيْمَانِهِمْ نُورَانِ: ذِكْرٌ وَسُنَّةٌ

فَمَا بَالُهُمْ فِي حَالِكِ الظُّلُمَاتِ؟