لنْ نُنَزِّل كِتاب في منزل الوحي للدَّكتور محمَّد حسين هيكل ما يستحقُّه مِنَ التَّاريخ ما لمْ نضعْه في موضعه الملائم مِنْ كُتُب الرَّجُل وحركة الأفكار الَّتي تَقَلَّبَ فيها عصره، ذلك أنَّ هذه الرِّحلة لمْ تكنْ كغيرها مِنَ الرِّحلات عنايةً بتحقيق الأمكنة وتعيينها، ووصْف ما أَلَمَّ بالرَّحَّالة، وحَسْبُ، ولكنَّها كانتْ كِتابًا في الأفكار بقدْر ما كانتْ كِتابًا في أدب الرِّحلة.

إذنْ، لنْ نفهم هذا الكِتاب الَّذي انبسطتْ صفحاته الَّتي قاربتْ السَّبعمئة ما لمْ نَعْرِف فِكْر أديبٍ ومفكِّرٍ مصريٍّ مِنَ الرُّوَّاد، درس القانون في فرنسا، وحاز درجة الدَّكتوراه فيه، وكان إلى ذلك أديبًا مِنْ ألمع أدباء جيله الَّذي نعرف مِنْ أعلامه طه حسين، والعقَّاد، والمازنيّ، وأحمد حسن الزَّيَّات، وأحمد أمين، وتوفيق الحكيم، وعصْره الَّذي نادتْ فيه مصر باستقلالها التَّامّ، وأعلنتِ الطَّبقة الوسطى ثورتها سنة 1919م، واستمدَّتْ منهجها السِّياسيّ مِنْ سعد زغلول، والفكريّ والرُّوحيّ مِنْ أستاذ الجيل أحمد لطفي السَّيِّد، وكان لهذه الطَّبقة، مهما تباينتْ أفكارها السِّياسيَّة، صحفها ومنابرها وأنديتها، وكانتْ أدنى في التَّعبير عنْ روح جديد نكاد نلتمس آثاره في ما أنشأه أولئك الأعلام في «الوطنيَّة المصريَّة الخالصة»، والحلم بالنَّهضة على النَّهج الَّذي حقَّقتْه أوروبَّا.

كان محمَّد حسين هيكل مِنْ رجال القانون الكِبار في مصر، وكان، أيضًا، أديبًا مِنْ أبرز أدباء عصره، كَتَب الرِّواية، فكان له مِنْها زينب، والمقالة النَّقديَّة واجتمع له فيها ثورة الأدب، والمقالة السِّياسيَّة مِمَّا بَثَّه في صحيفة أستاذه وملهمه الرُّوحيّ أحمد لطفي السَّيِّد الجريدة، قبل أن يستقلَّ بنفسه وينشئ صحيفته السِّياسة، وكان إذا نادى بفكرةٍ فليستْ سوى الفكرة الوطنيَّة المصريَّة الخالصة، تلك الَّتي لمْ يكنْ لِيعني منتحليها مَدُّ صلاتهم بما تَقَلَّبَ به المشرق العربيّ مِنْ تيَّارات ليستِ «القوميَّة العربيَّة» أوَّلها، وليستِ «الجامعة الإسلاميَّة» آخرها، وكان هيكلٌ رومنطيقيًّا كأجلى ما يكون عليه الرُّومنطيقيُّون، دعوةً إلى «الفرديَّة» وإيمانًا بها، وهو إذْ أخذ بذلك إنَّما كان وفيًّا لطبقة الأعيان الَّتي تعتزي إليها أسرته، والأفكار الَّتي سقطتْ إليه في أثناء اختلافه إلى جامعة باريس واتِّصاله بالأدب والفكر في فرنسا، حتَّى إذا آبَ إلى وطنه مصر، حقَّقَ تلك الأفكار في رواية زينب الرُّومنطيقيَّة الخالصة، وفي كِتابه عنْ جان جاك روسُّو فيلسوف الرُّومنطيقيَّة وداعية الحُرِّيَّة، ورائد دستور «الحُرِّيِّين» إذا اصطنعنا الكلمة الَّتي أراد بها أستاذه أحمد لطفي السَّيِّد ما نعنيه اليوم بـ»اللِّبراليِّين»، وظهرتْ أفكاره في «الوطنيَّة المصريَّة» لَمَّا أخذ الرَّجُل يكتب الفُصُول والمقالات عن «الأدب الإقليميّ»، يريد به «الأدب المصريّ الخالص»، مِمَّا انطوى عليه كِتابه النَّقديّ ثورة الأدب، ولستَ تجد في ذلك الكِتاب إلَّا احتفالًا بكلِّ ما يُمِتُّ بالوطنيَّة المصريَّة، ولستَ تقرأ عند هيكل ولا طه حسين ولا العقَّاد أثرًا للفكرة العربيَّة الَّتي ذاعتْ فيهم، بعد ذلك العهد.

إذنْ، كان محمَّد حسين هيكل مصريًّا خالصًا، لا يرى النَّهضة ولا التَّرقِّي إلَّا في حدود ذلك الإقليم، وكان رومنطيقيًّا يستلهم هذا الرُّوح الفرد مِنْ حكماء «الثَّورة الفرنسيَّة» وفلاسفتها، ولمْ يكنْ ليعنيه مِنْ أمر «الفكرة العربيَّة» أو «الجامعة الإسلاميَّة» شيء، وما كان هو ولا كان أستاذه أحمد لطفي السَّيِّد لِيُعِيرا تلكما الفكرتين أدنَى اهتمام، حتَّى إذا كان عام 1354هـ=1935م أخرجتِ المطبعة لصاحب كِتاب جان جاك روسُّو ومُنْشِئ زينب كِتابه حياة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – ودَلَّ بهذا الكِتاب، وبكُتُبه الأخرى الصِّدِّيق أبو بكر (1942م) والفاروق عمر (1945م) على مُتَّجهٍ جديدٍ كان داعية الرَّومنطيقيَّة والتَّقدُّم على الأسلوب الأوروبِّيّ قدْ اتَّصل به.

كان كِتاب حياة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – مؤْذِنًا بتحوُّلٍ جديدٍ مَسَّ الفكر العربيّ الحديث في عَلَمٍ مِنْ أعلامه، وكان، كما أراده، بحثًا تاريخيًّا أراد به صاحبه أن يدْرس سِيرة صاحب الرِّسالة – صلَّى الله عليه وسلَّم – بمنهجٍ عربيٍّ يباين منهج المستشرقين وطريقتهم في المعالجة والتَّفكير، وأحدث بذلك ضجَّةً أدبيَّةً عظيمةً، إذْ كيف تَجَرَّأَ مثقَّف مصريّ على اطِّراح منهج المستشرقين، والتماس ما يريده مِنَ السِّيرة في القرآن الكريم، أوَّلًا، وفي كُتُب السِّيرة والتَّاريخ مِمَّا أنشأه المسلمون؟ لكنَّ في هذا الكِتاب – ولسنا نروم الوقوف عليه هنا – شيئًا آخَر، إنَّه يُصَوِّر عهدًا جديدًا لمحمَّد حسين هيكل، بقدْر ما يُصَوِّر سيرة النَّبيّ المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم – وكان حياة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – مؤْذِنًا بعزْم هيكل على أن يقصد بلاد محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – بِنِيَّة الحجّ، لِيرى بعينه وفؤاده تلك الأرض الَّتي ألهبتْ خياله، بعد أنْ أعرض عنها، حينًا مِنَ الدَّهر ليس بقصير، فهو، مهما استوفَى الكتابة في السِّيرة النَّبويَّة، ومهما اتَّصل بعشرات الكُتُب مِمَّا وضعه العرب والمسلمون والمستشرقون فيها، ليس بمستطيع أن يبلغ كُنْه الحقيقة إلَّا إذا اتَّصل بجزيرة العرب، مهد العروبة والإسلام:

«لكنَّني شعرْتُ، آخر الأمر، بأنَّني سأظلّ ينقصني جوهر ما أبحث عنه إذا لمْ أذهبْ إلى بلاد النَّبيّ العربيّ بنفسي، ولمْ أقفْ حيث وقف في أدقّ ما مَرَّ به أثناء حياته، ولمْ أُمَهِّدْ لذلك بأنْ أحيط في حدود الطَّاقة بالبيئة العامَّة الَّتي نشأ فيها».

حَجَّ محمَّد حسين هيكل عام 1355هـ، وأقام في الحجاز عِدَّة أشهر، وأُتِيحَ له أن يتَّصِل بالنَّاس، وأن يقف على المعاهد والآثار، فعسى أن يستبين له السِّرّ الَّذي طوتْه هذه الأرض، حتَّى إذا آبَ إلى وطنه كانتْ رحلته إلى بلاد النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – «وحيًا» يستوحيه، ومَدَدًا يَصِله، مهما تباعدتِ الأمكنة، بتلك الدِّيار الَّتي أوقدتْ خياله، وأثارتْ إيمانه، وإذا به يكتب، وإذا به يتبسَّط في الكتابة، وإذا بالقُرَّاء يظهرون، في سنة 1356هـ على كِتاب تلك الرَّحلة، وكان سائغًا أن يصطنع هيكلٌ لرحلته تلك عنوان في منزل الوحي.

كان سائغًا أن يصطنع هيكلٌ هذا العنوان، لأنَّه إنَّما ارتحل إليها يريد الوقوف على ذلك السِّرّ الَّذي قَدَّرَ أنَّه أنشأ هذه الأُمَّة، ومِنْ تلك الأرض، خاصَّةً، وكان سائغًا أنْ تكون كلمة «الوحْي» مفتاح ذلك الكِتاب، يريد بها القرآن الكريم الَّذي تَنَزَّلَتْ آيه في تلك الرُّبُوع الَّتي مشى فيها صاحب زينب، وعساه تَخَيَّرَها لأنَّها أدنى إلى ما يعتقده داعية «الرُّومنطيقيَّة» في الأدب العربيّ الحديث، ولطالما اتَّخذ هذا المذهب الأدبيّ مِنَ «الوحي» و»الإلهام» أسلوبًا في الكتابة والتَّعبير، أوْ كأنَّما أراد داعية النَّهضة والتَّقدُّم أن ينهل مِنْ «منزل الوحي» منهجًا يدعو إليه بني قومه، ولطالما وقف فيهم، مِنْ قبلُ، يُزَيِّن في أعينهم الغرب وحضارته وثقافته.

ما فارق محمَّد حسين هيكل رومنطيقيَّته يومَ اتَّصل ببلاد النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فالرَّجُل الَّذي صَنَّفَ في السِّيرة النَّبويَّة كِتابًا له مقامه في الكُتُب العربيَّة الحديثة، رجع فيه إلى عشرات المصادر والمراجع، حتَّى استوى كِتابًا كبيرًا = ما استطاع تخلُّصًا مِنْ خيال الرُّومنطيقيِّين، فهو يظنُّ أنَّ جزيرة العرب كانتْ لا تزال على حالها الَّذي كانتْ عليه في صدر الإسلام، وكان يحسب أنَّ ساكنة الحجاز إنَّما يعبِّرون عنْ أغراضهم بذلك اللِّسان العربيّ المبين الَّذي كان عليه الحجاز القديم، فإذا به، لَمَّا حَطَّ رحاله في مكَّة المكرَّمة، واتَّصلَ بالنَّاس، وطَوَّفَ في الأمكنة، يُدْرِك أنَّ ما استقرَّ في صدره ليس إلَّا ما قرأه في تلك الكُتُب، وأنَّه لا يكاد يتصوَّر الحجاز، ولا جزيرة العرب، على غير ما تبوح به تلك الكُتُب!

سكنتِ الرُّومنطيقيَّة في أوصال كِتاب في منزل الوحي، ولمْ يَفُتْ صاحب زينب أن يقصد، مساء كلِّ يوم، ظاهر مكَّة المكرَّمة، حيث الصَّحراء يشارفها، ويقف عليها، ويسألها، فعسى أنْ تُمِدَّه بذلك الوحي الَّذي طالما أظفرتْه به كُتُب الأدب والأخبار، وإذا به اليومَ في منزل أولئك الأعراب الَّذين نظموا ذلك الشِّعر السَّاذج الرَّائع، وإذا بهيكل يكاد يتأمَّلها، وأغلب الظَّنّ أنَّها باحتْ له بشيء مِنْ أسرارها، وحوَّلتْه غير الَّذي كان عليه، وكأنَّما صَدَّقَ الخُبْر الخبر، فليس مِنْ رأى كمنْ سمع – أوْ قرأ – وأُتِيحَ لمحمَّد حسين هيكل ما لوْ أُتِيحَ قليله لأولئك الرُّوَّاد الكبار الَّذين تركهم في مصر، لَتَغَيَّرَتْ أفكارهم، وعسانا، لوْ تَغَيَّرتْ، كُنَّا غير الَّذي نحن عليه!

بوُسْعنا أنْ نعتدَّ في منزل الوحي كِتابًا في الرِّحلة نقرأ فيه وجه الحياة في الحجاز، في ذلك العهد، نسير مع هيكل حيث سار، ونكاد نُلِمُّ بتلك الأمكنة الَّتي أَلَمَّ بها، فيتسرَّب إلينا حنين رُومنطيقيّ لتلك الدِّيار الَّتي ندْرج فيها، لكنَّها – وا أسفاه! – خلتْ مِنْ تلك السَّذاجة والأعرابيَّة الَّتي كانتْ عليها يوم غشيها هيكل! لكنَّ في هذه الرِّحلة غير ما في سواها مِنْ كُتُب الرِّحلات؛ فيها هُمُوم مفكِّر مؤمن بالتَّقدُّم، جاء، بأخرةٍ، إلى ديار الإسلام يستلهمها الوحي، بعد أن استلهم وحي أوروبَّا، وبعد أنْ آمن أنْ لا مدنيَّة، ولا ثقافة، ولا أخلاق إلَّا ما سقط إلينا مِنْها، وكان – وكنَّا معه – نُحِسُّ في نفوسنا الضَّعة وأنَّنا دُون الغرب، لكنَّ هيكلًا أعرض عنْ كلّ هذا، لَمَّا هداه تفكيره إلى أنَّه ليس كلُّ ما لدى الغرب مِنْ أمر الحياة الرُّوحيَّة صالحًا لنا، وإنْ شارك أقرانه إيمانه بحضارة الغرب «فتاريخنا الرُّوحيّ غير تاريخ الغرب، وثقافتنا الرُّوحيَّة غير ثقافته». عرف هيكلٌ ذلك وخفيَ على أصحابه فلمْ يَرَوْه، وقدْ مكث دهرًا يؤمن إيمانهم بالغرب، وجَدَّ يزيِّن لقومه ثقافة الغرب ويُغريهم بها، فعسى أن نتَّخذها «جميعًا هُدًى ونبراسًا، ولكنَّني أدركْتُ، بعد لأيٍ، أنَّني أضع البذر في غير منبته فإذا الأرض تهضمه ثُمَّ لا تتمخَّض عنه ولا تبعث الحياة فيه. وانقلبْتُ ألتمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعين موئلًا لوحي هذا العصر ينشئ فيه نشأة جديدة، فإذا الزَّمن وإذا الرُّكود العقليّ قدْ قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد مِنْ سببٍ يصلح بذرًا لنهضة جديدة. ورَوَّأْتُ فرأيْتُ أنَّ تاريخنا الإسلاميّ هو وحده البذر الَّذي ينبت ويثمر، ففيه حياة تحرِّك النُّفوس وتجعلها تهتزُّ وتربو. ولأبناء هذا الجيل في الشَّرق نفوس قويَّة خِصْبة تنمو فيها الفكرة الصَّالحة لتؤتي ثمرها بعد حين».

وضع محمَّد حسين هيكل كتابًا عنْ جان جاك روسُّو في جزأين، صدر الأوَّل مِنهما عام 1921م، وصدر الثَّاني عام 1923م، ورُبَّما كان ما شاع مِنْ فيلسوف الرُّومنطيقيَّة وحكيم الثَّورة الفرنسيَّة وافرٌ وكثيرٌ، لكنَّ أكثر ما شاع في الأدباء والمثقَّفين إيمانه بـ»الفرديَّة»، وترجمته الشَّخصيَّة الجريئة الاعترافات، ومنزلها في أدب «السِّيرة الذَّاتيَّة» مذكور، وأنا أقرأ في كِتاب في منزل الوحي ما يُوشِك أن يكون «سِيرةً فكريَّةً»، أوْ عساه يكون «سِيرةً رُوحيَّة»، و»اعترافًا»، يُشْبه «اعترافات» صاحبه القديم جان جاك رُوسُّو في العنوان، لكنَّه يختلف عنه في الغاية والمقصد، قال فيها محمَّد حسين هيكل: إنَّه أخطأ الطَّريق يومَ ظَنَّ أنَّ التَّقدُّم موكول بأنْ نصطنع ما اصطنعه الغرب دون أنْ نراجعه في شيء، فلمَّا أدرك مِنَ الغرب ما أدرك، عاد فرمى بعينه وفؤاده إلى عهد الفراعين، وصار، مدَّةً مِنَ الدَّهر، لا يرى أبعد مِنَ «الوطنيَّة المصريَّة الخالصة»، ولا يؤمن بغير «الأدب المصريّ» – لا العربيّ – على نحو ما انطوى عليه كِتابه ثورة الأدب، لكنَّه أدرك – قبل كلّ رفقائه – أنَّه أخطأ الطَّريق، ولمْ يُحْسِن التَّقدير، وأنَّ «القوميَّة» ليستْ بقادرة على أنْ تُمِدَّنا بقوَّةٍ نقف بها في وجه الغرب – ولا نَنْسَ أنَّ مصر لمْ تَنَلْ استقلالها يومَ كتب هذا الكلام – وأنَّ «الفكرة الإسلاميَّة المبنيَّة على التَّوحيد في الإيمان بالله تنزع في ظلال حُرِّيَّة الفكرة إلى وحدة الإنسانيَّة، وحدة أساسُها الإخاء والمحبَّة، فالمؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها إخوة يتحابُّون بنور الله بينهم، وهم لذلك أُمَّة واحدة تَحَيَّتُها السَّلام وغايتها السَّلام، وهذه الفكرة الإسلاميَّة تخالف ما يدعو إليه عالَمنا الحاضر مِنْ تقديس القوميَّات وتصوير الأُمم وَحَدات متنافسة يحكم السَّيف وتحكم أسباب الدَّمار بينهما فيما تتنافس عليه».

وحين آمَنَ هيكل بما آمن، كان عليه أن يهاجر بفكرته هذه إلى تلك الأرض «البِكْر»، إلى بلاد النَّبيّ محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – يلتمس فيها أُسُس التَّقدُّم والنَّهضة، وجعل يدعو إلى إحياء ما أسماه «الحضارة الشَّرقيَّة»، وكان يلتمس لها مَدَدًا رُوحيًّا يكون لها قَبَسًا يضيء الطَّريق، «ومحمَّد بن عبد الله هو النُّور الأوَّل الَّذي استمدَّتْ هذه الأرواح مِنْه ضياءها، وهو الشَّمس الَّتي أَمَدَّتْ كلَّ هذه الأقمار بسناها. لذلك جعلْتُ سيرته موضع دراستي في «حياة محمَّد»، وجعلتُ مواقفه «في منزل الوحي» مصدر إلهامي، لِمَا تنطوي عليه مِنْ تعاليم أوحاها الله إليه كلُّها السُّموُّ والقوَّة والجلال والعظمة؟».

ألمْ أقُلْ لكم: إنَّ كِتاب في منزل الوحي ليس كِتاب رحلة كغيره مِنْ كُتُب الرِّحلات؟