في عام 1954، كانت تونس أسيرة تحت الانتداب الفرنسي حتى عام 1956، وهو عام استقلالها.

وكانت فرنسا تسيطر بصورة مطلقة على كافة شؤون تونس، فكانت تتحدث عن تونس نيابة عنها في المحافل الدولية والأمم المتحدة.

في تلك الفترة، قام الزعيم الحبيب بورقيبة (رئيس الحزب الدستوري الجديد في تونس) الذي كان يحارب الاستعمار الفرنسي من أجل الاستقلال.. قام بزيارة إلى نيويورك، وكان يتمنى أن يفلح في عرض قضية تونس أمام المجتمع الدولي، وأن يسعى لاستقلالها عن الاستعمار الفرنسي.

حاول بورقيبة الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة، إلاّ أن حراس المبنى منعوه لأنه لا يحمل صفة رسمية لحضور اجتماعات الأمم المتحدة. وحاول بورقيبة إقناع الحراس جاهدا عسى أن يدخل إلى مبنى الأمم المتحدة، إلا أنهم لم يسمحوا له بالدخول.

في هذه الأثناء، مرّ الدكتور فاضل الجمالي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق ومعه كامل الوفد العراقي؛ فسأل عن سبب الضجيج قرب مدخل الأمم المتحدة، فأخبروه أن رئيس الحزب الدستوري التونسي الحبيب بورقيبة يحاول الدخول إلى قاعة اجتماعات الأمم المتحدة إلا أنه مُنع.. لكونه لا يحمل صفة رسمية.

دعا د. فاضل الجمالي الحبيب بورقيبة، وقال له: «أنت ستدخل إلى مبنى الأمم المتحدة بصفتك عضوا في الوفد العراقي»!

والتفت إلى أحد أعضاء الوفد ورفع شارة كتب عليها «وفد العراق» من أحد الأعضاء ووضعها على صدر الحبيب بورقيبة، وقال له: أنت الآن أحد أعضاء الوفد العراقي، ولن يستطيع أحد أن يمنعك من الدخول إلى مبنى الأمم المتحدة.

فدخل بورقيبة مع الوفد العراقي. وتحدث د. الجمالي أمام الأمم المتحدة بصفته رئيس الوفد العراقي؛ لكنه بعد فترة قليلة، قال: سأحيل الآن الميكرفون إلى أخي الحبيب بورقيبة للتحدث باسم دولة تونس الحرة!

هنا ساد الصمت القاعة، وغادر الوفد الفرنسي قاعة الاجتماعات إثر إعلان الجمالي بهذا التصريح الخطير معبرا عن معارضته لهذا التصرف.

لكن بورقيبة استلم الميكرفون وألقى خطابا حماسيا بطوليا نال استحسان الحاضرين وإعجابهم؛ ووقف الجميع يصفق ويحيي ذلك البطل القومي.

وبعد انتهاء خطابه، توجه بورقيبة إلى الدكتور فاضل الجمالي وقال له: «لا أنا ولا بلدي تونس سننسى لك صنيعك هذا».

وبعد سنتين من هذه الحادثة أي في العام 1956، حصلت تونس على استقلالها من الاستعمار الفرنسي بفضل المبادرة الجريئة والشجاعة من د. فاضل الجمالي؛ وأصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس لتونس. فاضل الجمالي.. كان أحد الموقعين على تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945.

وبعد سقوط الحكم الملكي في العراق عقب أحداث يوليو عام 1958، تم إحالة الدكتور محمد فاضل الجمالي إلى محكمة الثورة في زمن عبدالكريم قاسم، وسجن حتى عام 1961.

فلما أفرج عنه، بعد مناشدات دولية وإقليمية، توجّه إلى تونس حيث رحّب به الرئيس بورقيبة وفاء لموقفه المذكور أعلاه.

أراد بورقيبة منح د. الجمالي راتبا فرفض وأراد أن يحصل على راتب من عرق جبينه، فعمل أستاذا في إحدى الجامعات التونسية.

في1995، بمناسبة مرور 50عاما على تأسيس الأمم المتحدة، تم إرسال دعوة للدكتور الجمالي لحضور جلسة خاصة بالمؤسسين فقط؛ ولكنه كتب إلى الأمم المتحدة رسالة قال فيها إن الأمم التي تحاصر بلدي وتقتل الأطفال والعجزة وتصنع الموت.. لن أحضر احتفالها (رغم أن الرجل كان مقيما خارج العراق وليس له علاقة بالحكومة وقتها).

وكان الرئيس بورقيبة قد أطلق اسم فاضل الجمالي على أحد شوارع العاصمة التونسية؛ وعمل هناك بكل احترام وتقدير حتى توفي فيها.

*هذه المواقف العروبية التاريخية يجب أن لا تُنسى أو أن نسمح للسنين بتهميشها؛ ويجب أن نستذكرها ونتداولها باستمرار؛ فحاضرنا وللأسف الشديد جد محزن؛ ولا يوجد فيه حسنات تُذكر.

*فالعراق ينزف يوميا منذ سنين عجاف؛ وسوريا تُقتل منذ سنوات بمشاهدة الجميع؛ واليمن تعيش حربا وانقساما مجتمعيا خطيرا؛ وليبيا لا تعلم أين البوصلة؛ ومصر تعيش ليومها.

ووطننا العربي على شفا حفرة من جحيم؛ ومستقبلنا.. إلى المجهول!