الفلسفة وفهم القرآن

الفقيه والأصولي والصوفي واللغوي وغيرهم من علماء الدين هم الذين يقيمون علاقتهم في فهم النص القرآني كل من مذهبه وعلى طريقته

الفقيه والأصولي والصوفي واللغوي وغيرهم من علماء الدين هم الذين يقيمون علاقتهم في فهم النص القرآني كل من مذهبه وعلى طريقته

الجمعة - 07 مارس 2014

Fri - 07 Mar 2014



الفقيه والأصولي والصوفي واللغوي وغيرهم من علماء الدين هم الذين يقيمون علاقتهم في فهم النص القرآني كل من مذهبه وعلى طريقته.

لكن هل يصح للفيلسوف وهل يصح منه تشكيل علاقة فهمية للنص القرآني؟! وما هي خصائص هذا الفهم الفلسفي للقرآن؟ قد يبدو هذا الأمر غير مقبول عند من ارتسمت لديهم ذهنية ترفض الفلسفة جملة وتفصيلا باعتبار مناقضتها للدين! كما سيكون هذا الأمر محل الاستغراب عند قوم آخرين أقل حساسية ضد الفلسفة باعتبارها نمطا من الحكمة.

ويأتي طرح هذا الموضوع لكسر احتكار الفهم القرآني في شكل معين من العلوم وأصحابها، باعتبار فاعلية النص القرآني وتعاليه عن الاحتكار، وإذ قد سمح الفقهاء للأطباء بفهم القرآن عن ظهور ما سُمي بالإعجاز العلمي في القرآن، فلأن تكون الفلسفة من أقوى الحاضرين والفاعلين في الفهم أمر يجب أن يكون مرحبا به.

ولا شك أن الفلسفة لها خصائصها ومميزاتها التي تقدمها في فهم النص القرآني، وهي تختلف عن التفسير الفقهي ـ بمفهومه الواسع ـ والذي يعتمد آليات وقواعد شبه محددة.

وتأريخ الفكر الإسلامي يؤكد وجود الصلة الوثيقة بين الفيلسوف والفهم القرآني، فالخطاب الفلسفي ليس متنافرا معه، إذ إن التشارك هو في منطقة الفهم المتجدد للنص.

هذا النص القرآني العظيم الذي يجب أن يكون كما هي طبيعته، متدفق المعاني غير محدود بمحاولات فهمية تاريخية أو تخصصية باعتباره خطابا للبشرية كلها (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) وإذا أردنا أن نأخذ من التأريخ نموذجا للفيلسوف الذي تعامل مع النص القرآني فسوف نجد الإمام ابن رشد الذي كان فقيها فيلسوفا من كبار علماء المذهب المالكي، فهو فقيه في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وهو فيلسوف في كتابه فصل المقال الذي صنفه للتأكيد على التكامل بين الشريعة والحكمة، إذ تقتضي الفلسفة ضرورة التأويل لفهم القرآن، والذي أصبح منقصة في الفهم وانحرافا عقائديا عند البعض، مع أن الله تعالى يقول (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فكان ابن عباس ترجمان القرآن.

فالتأويل أساس للفلسفة المتعاملة مع القرآن، وإذا كان الإمام ابن رشد في المغرب فيلسوفا له جهوده في التعامل مع القرآن، فإن في المشرق فيلسوفا آخر هو أكبر وأكثر وأعمق تعاملا مع القرآن.

وإن كان أتباع مدرسته لا يرونه فيلسوفا بل يرونه مقوض بنيان الفلسفة، إلا أنهم لا يفهمون الفلسفة أو لا يفهمون الشيخ نفسه.

إنه الإمام ابن تيمية، وقد كتبت مقالات حول فلسفته، ولمن أراد الاستزادة فليقرأ كتاب (استئناف القول الفلسفي في الإسلام) للدكتور عبدالحكيم أجهر.

ومن المفارقات أن الإمام نفسه في مرحلة من علومه ولظروف مجتمعية وسياسية رفض استخدام التأويل ـ وليس هنا مناسبة بسط الموضوع ـ لكنني في المقال المقبل سأتحدث عن (الهرمينوطيقيا) كفتح جديد لفهم النص بإذن الله.



[email protected]