بعد شهر... ماذا تحقق من أهداف الحرب؟
الاثنين - 30 مارس 2026
Mon - 30 Mar 2026
شنت إسرائيل - ومعها أمريكا - الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط.
وكل منهما لها أهدافها:
الاعتقاد السائد أن هدف أمريكا الأول هو البرنامج النووي الإيراني، بعد أن تراجع الرئيس ترامب عن الاتفاقية النووية الموقعة مع إيران عام 2015 والمعروفة بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA)، ولم يعمل اتفاقية بديلة لها!
كما تهدف أمريكا إلى إضعاف إيران عسكريا واقتصاديا وسياسيا، وربما إسقاط النظام الإيراني إذا تمكنت من تنصيب نظام جديد موال لها. فأمريكا لا تريد إسقاط النظام دون بديل مناسب، حتى لا تنتشر الاضطرابات الشديدة في المنطقة، وأمريكا بحاجة للاستقرار حتى يستمر تدفق النفط ولا تتعطل المسارات التجارية في المنطقة... وتريد أمريكا إنهاء الحرب في أقرب وقت لأن تكلفتها قد تصل إلى اثنين بليون دولار يوميا (حوالي 1.38 مليون دولار في الدقيقة!).
لكن الرئيس ترامب يريد إنهاء الحرب بطريقة تبدو كأنه حقق انتصارا.
وقد حاولت أمريكا استدراج حلفائها الأوروبيين للمشاركة في الحرب، لكنهم رفضوا المشاركة، ولا تزال تحاول استدراج دول الخليج (دول مجلس التعاون) حتى تشارك في حرب ليست هي حربهم ولا تتفق مع مصالحهم: فالأولوية عند دول الخليج هي الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحماية منشآتها الاقتصادية والحلول الدبلوماسية.
والقصف الإيراني لدول الخليج لم يكن مفاجأة أو غير متوقع، بل كانت المخابرات الأمريكية قد حذرت قبل الحرب أن الهجوم على إيران سوف يؤدي إلى عدوان إيراني على دول الخليج، كما صرح جون راتكليف John Ratcliffe، مدير المخابرات المركزية (CIA)، وذلك عند استجوابه في مجلس النواب الأمريكي في 18 مارس/آذار.
وقد بذلت دول الخليج جهدها لمنع الهجوم الأمريكي على إيران، وكان معلوما أن القصف الإيراني الذي قد تتعرض له دولة قطر مثلا أو إمارة دبي قد يكون له أثر مدمر يرجعها اقتصاديا لسنوات.
وبالرغم من ذلك التحذير، وبالرغم من الجهود التي بذلتها دول الخليج، مضت أمريكا في الهجوم على إيران، دون اتخاذ إجراءات لدعم دفاعات دول الخليج (بينما قامت بتقوية دفاعات إسرائيل)، ما يعني أن تعريض دول الخليج للقصف كان جزءا من الخطة منذ البداية.
فقصفت أمريكا وإسرائيل مخازن وخطوط نقل الوقود في طهران، ومجمع عسلوية للبتروكيماويات Asaluyeh complex، ومنشآت الطاقة في أصفهان وخورمشهر، وقصفت منشأة نتانز النووية ومفاعل بوشهر الذي يقع على الخليج مباشرة، ما يعرض المنطقة لمخاطر الإشعاع، وقامت إسرائيل بقصف حقل بارس الجنوبي للغاز South Pars Gas Field، وهو أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، ويوفر 80% من حاجة إيران، إلخ.
وحصل ما حذرت منه المخابرات الأمريكية: قصفت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، وهي أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومصافي نفط في الكويت وفي الإمارات، ومصفاة سامرف في ينبع، وهجمت بالمسيرات على مطار الكويت ومطار دبي، كما هجمت على الرياض والمنطقة الشرقية، إلخ.
ويلاحظ أن إسرائيل قامت بقصف حقل بارس الجنوبي للغاز بالرغم من معارضة أمريكا، ودون مبرر لقصفه. وهدف إسرائيل هو دفع إيران إلى قصف حقول النفط في دول الخليج، ما يؤكد أن إسرائيل تعمل على التصعيد ما بين إيران ودول الخليج إلى أبعد مدى ممكن.
وغني عن القول إن قصف أمريكا وإسرائيل لإيران لا يعطيها الحق بقصف دول الخليج التي لم تقم بالاعتداء عليها: فالحرب ليست ما بين إيران ودول الخليج، لكن استدراج دول الخليج جزء من خطة توسيع رقعة الصراع، الذي قد يتحول إلى صراع إقليمي وتصبح عندها جميع الاحتمالات مفتوحة.
وبالرغم من الهجمات الإيرانية فإن دول الخليج لم تندفع حتى تنضم إلى الحرب، لكن، إذا اضطرت دول الخليج إلى المشاركة في الحرب حتى تدافع عن نفسها، فالخوف أن تتم "مساومتها" على الثمن الذي تدفعه مقابل الدعم الذي تحتاجه في مواجهة إيران، أو أن يتم تزويد دول الخليج بمعلومات استخباراتية خاطئة، كما سبق عندما دخلت أمريكا الحرب معتقدة أن النظام الإيراني سوف يسقط وأن الحرب لن تدوم لأكثر من أيام.
وبينما تشترك إسرائيل مع أمريكا في هدف استدراج دول الخليج إلى صراع مع إيران، وتشترك مع أمريكا في هدف إسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته العسكرية.. إلا أن إسرائيل تذهب لأبعد من ذلك: فإسرائيل تهدف إلى تدمير الدولة الإيرانية ذاتها: بدءا بالقيادة الإيرانية والقدرات العسكرية والصناعية، وانتهاء بالمدارس والمستشفيات، وربما تصل إلى حد تقسيم الدولة، ولا يهم إسرائيل إذا كان تدمير إيران أو ردود الفعل الإيرانية على جيرانها قد تؤدي إلى اضطرابات هائلة أو تدمير المنطقة، لأن أحد أهداف إسرائيل هو إضعاف وتدمير جميع الأطراف في منطقة الخليج، وليس إضعاف وتدمير إيران وحدها.
وهدف إسرائيل هو وضع أساس مشروع "إسرائيل الكبرى"، كما نراها تتوسع في احتلال الجنوب اللبناني، بينما سموتريتش: وزير المالية الإسرائيلي الذي يسيطر على المسائل الاستيطانية، وله صلاحيات غير مسبوقة في وزارة الدفاع، يطالب بضم جنوب لبنان.
وأمريكا تريد إنهاء الحرب وإعلان الانتصار في أقرب وقت ممكن، إلا أن إسرائيل تريد استمرار الحرب لأطول مدة ممكنة لاستنزاف إيران ودول الخليج معا، وإشعال المنطقة حتى يتم إفراغها من أي قوة منافسة لإسرائيل، وكذلك إنهاك أمريكا في صراع طويل لم تكن ترغب فيه أصلا... ما قد يؤدي إلى خروج أمريكا عسكريا من المنطقة (نموذج أفغانستان).
وبعدها تحل إسرائيل محل أمريكا كالقوة المهيمنة في المنطقة بلا منازع.
وحتى كتابة هذا المقال في صباح يوم 28 مارس/آذار 2026، فإن نتائج الحرب كما يلي:
انكشاف حدود الهيمنة الأمريكية limits of American hegemony في فترة حساسة يتراجع فيها النفوذ الأمريكي وتزداد فيها الخلافات مع الحلفاء، خاصة الحلفاء الأوروبيين الذين هم على خلاف مع أمريكا بخصوص أوكرانيا، ورفضوا المشاركة معها في الحرب ضد إيران.
وأدت الحرب إلى تصاعد الشعور الوطني الإيراني والالتفاف حول حكومتهم (وهو أمر طبيعي في الحروب)، وبالتالي تم إضعاف المعارضة الداخلية في إيران التي كانت أمريكا تعول عليها لتغيير النظام والإتيان بحكومة إيرانية موالية لأمريكا، أو ربما الإتيان بحكومة موالية لإسرائيل: على رأسها معارض إيراني مقيم في أمريكا.
واضطرت أمريكا إلى رفع الحظر عن شراء النفط الروسي والإيراني حتى تحد من ارتفاع أسعار النفط العالمية... ما أدى إلى ارتفاع إيرادات روسيا وإيران من مبيعات النفط، والأهم بالنسبة لأمريكا أن الدول التي تعتمد على نفط الخليج أصبحت تتطلع نحو النفط الروسي.
ومن ناحية أخرى فإنه - مع اشتعال الحرب الإيرانية - تحول الاهتمام بعيدا عن أوكرانيا التي لم تعد أمريكا تدعمها في حربها مع روسيا، ما يزعج حلفاء أمريكا الأوروبيين بشدة.
أما بالنسبة لحلفاء أمريكا في شرق آسيا: تايوان واليابان وكوريا الجنوبية، فما يرونه من تورط أمريكا في صراع مع إيران، فوق تورطها في صراع أوكرانيا، وإصابة رمز القوة الأمريكية ممثلة في حاملتي الطائرات إبراهام لنكولن وجيرالد فورد، مع عجز أمريكا عن فتح مضيق هرمز أو حسم الصراع مع إيران، جعلهم يشعرون أنها غير قادرة على حمايتهم.
وبصورة عامة، أدت الحرب إلى زعزعة ثقة حلفاء أمريكا الدوليين في جدوى التحالف معها... كما أساءت الحرب إلى صورة أمريكا: فرأى العالم الدولة الأكبر والأهم في النظام الدولي وهي تدخل في حرب تهدد الاقتصاد العالمي دون مبرر أو سند قانوني، وحتى دون مناقشة في الأمم المتحدة، وأنها بدأت الحرب باغتيال جماعي لحكومة إيران بالرغم من تقدم المباحثات بينها وبين أمريكا.. وذلك بعد قيامها باختطاف رئيس فنزويلا، التي لم تكن في حرب مع أمريكا!
كل ذلك طرح تساؤلات حول مصداقية أمريكا وحول "وجود" نظام دولي أصلا، وما إذا كان من الضروري أن تسعى بعض الدول للحصول على السلاح النووي حتى تحمي نفسها.
وازدادت المعارضة الشعبية للحرب في داخل أمريكا: فأسعار الوقود والغذاء والسلع الأساسية وتكلفة سلاسل الإنتاج في ارتفاع مستمر. وزاد من قوة الأصوات المعارضة للحرب أن أمريكا دخلت في حرب مع دولة لا تمثل تهديدا لأمريكا ولا مصلحة لها في محاربتها. وفوق ذلك طلبت الحكومة الأمريكية 200 بليون دولار إضافية لتمويل الحرب، بينما أمريكا تعيش أزمة الديون!
وتصاعدت المعارضة القوية للحرب حتى ما بين أقطاب حركة "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى make America great again"، التي يفترض أنها تمثل التيار المؤيد للرئيس ترامب.
وقد تكشف أن الإدارة الحالية قامت بإفراغ وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي - ومؤسسات هامة غيرها - من كفاءات هامة كان بإمكانها أن توفر النصح الفعال أثناء الأزمة... وأصبح البيت الأبيض يعتمد على أشخاص غير أكفاء لهم علاقة وثيقة مع إسرائيل، خاصة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين استغلا علاقتهما بالرئيس ترامب وتعيينهما ممثلين له لتحقيق مكاسب شخصية والمساهمة في إشعال الحرب، حتى أن إيران رفضت استمرار التفاوض معهما!
كما انكشفت انقسامات هامة داخل الإدارة الأمريكية: فأشارت تقارير إعلامية إلى أن رئيس الأركان، الجنرال دان كين General Dan Caine، أبدى معارضته للحرب، وأن مدير مكافحة الإرهاب، جو كنت Joe Kent، تقدم باستقالته للسبب ذاته، عدا تقارير عن انقسامات أخرى.
والخلاصة أن نتائج الحرب حتى وقت كتابة هذا المقال لا تبدو في صالح أمريكا.
وإيران هي الأخرى خسرت الكثير: فهذه "حرب وجود" بالنسبة لإيران، وقد خسرت الصف الأول - وربما الثاني - من قياداتها، وتزعزعت تحالفاتها، وتعرضت لخسائر بشرية وعسكرية ومادية تحتاج إلى سنوات لتعويضها، كما خسرت فرصة هامة للتقارب مع دول الخليج.
والاحتمال الأخطر بالنسبة لإيران هو أنه إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود، أو إذا شعرت إسرائيل بخطورة كبيرة بسبب الدمار الذي تتعرض له في هذه الحرب، فقد تلجأ إلى القيام بعملية كاذبة false flag operation على الأراضي الأمريكية، ثم تتهم إيران بالقيام بهذه العملية حتى يكون ذلك مبررا لضربة نووية ضد إيران.
أما بالنسبة للعرب، فهم ما بين المطرقة والسندان، والحرب تمثل لهم تهديدا عسكريا واستراتيجيا وخسائر اقتصادية، خاصة بالنسبة إلى دول الخليج التي يراد تدمير اقتصاداتها، والتي انخفضت إيراداتها من بيع النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي أغلقته إيران بعد أن كان مفتوحا، والأخطر تصريح الرئيس ترامب باحتمال سيطرته على مضيق هرمز بالاشتراك مع "آية الله"، وربما السيطرة على النفط الإيراني!
وقد يتم استدراج تركيا أيضا للمشاركة في الحرب، ويتحول الصراع إلى حرب إقليمية.
وهذه الحرب التي بدأت بقصف مستشفى غاندي في طهران وقتل 165 طفلة في مدرسة ابتدائية للبنات، مع حملة اغتيالات وتدمير أهداف مدنية، وبعدها هدد الرئيس ترامب بقصف محطات الكهرباء في إيران... وما كل ذلك سوى جرائم حرب!
فلا بد أن هذه الحرب تشعل الأحقاد والرغبة في الانتقام، وأنها تزيد من خطورة إيران.
ومع العمل على تفتيت إيران من خلال دعم حركة الأكراد الانفصالية وهدم أجهزة إيران العسكرية والأمنية، تصبح الاستراتيجية الأمريكية تابعة بالكامل للأجندة الإسرائيلية التي تعمل على بث الفوضى وتفتيت دول المنطقة... والهدف من كل هذا الدمار هو إعادة رسم خارطة المنطقة وتأسيس "إسرائيل الكبرى"!
فهذه الحرب قد تنتهي بخسارة لأمريكا.. وإيران.. والعرب، ويبقى طرف أوحد مستفيد من الحرب والموت والدمار!
وكل منهما لها أهدافها:
الاعتقاد السائد أن هدف أمريكا الأول هو البرنامج النووي الإيراني، بعد أن تراجع الرئيس ترامب عن الاتفاقية النووية الموقعة مع إيران عام 2015 والمعروفة بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA)، ولم يعمل اتفاقية بديلة لها!
كما تهدف أمريكا إلى إضعاف إيران عسكريا واقتصاديا وسياسيا، وربما إسقاط النظام الإيراني إذا تمكنت من تنصيب نظام جديد موال لها. فأمريكا لا تريد إسقاط النظام دون بديل مناسب، حتى لا تنتشر الاضطرابات الشديدة في المنطقة، وأمريكا بحاجة للاستقرار حتى يستمر تدفق النفط ولا تتعطل المسارات التجارية في المنطقة... وتريد أمريكا إنهاء الحرب في أقرب وقت لأن تكلفتها قد تصل إلى اثنين بليون دولار يوميا (حوالي 1.38 مليون دولار في الدقيقة!).
لكن الرئيس ترامب يريد إنهاء الحرب بطريقة تبدو كأنه حقق انتصارا.
وقد حاولت أمريكا استدراج حلفائها الأوروبيين للمشاركة في الحرب، لكنهم رفضوا المشاركة، ولا تزال تحاول استدراج دول الخليج (دول مجلس التعاون) حتى تشارك في حرب ليست هي حربهم ولا تتفق مع مصالحهم: فالأولوية عند دول الخليج هي الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحماية منشآتها الاقتصادية والحلول الدبلوماسية.
والقصف الإيراني لدول الخليج لم يكن مفاجأة أو غير متوقع، بل كانت المخابرات الأمريكية قد حذرت قبل الحرب أن الهجوم على إيران سوف يؤدي إلى عدوان إيراني على دول الخليج، كما صرح جون راتكليف John Ratcliffe، مدير المخابرات المركزية (CIA)، وذلك عند استجوابه في مجلس النواب الأمريكي في 18 مارس/آذار.
وقد بذلت دول الخليج جهدها لمنع الهجوم الأمريكي على إيران، وكان معلوما أن القصف الإيراني الذي قد تتعرض له دولة قطر مثلا أو إمارة دبي قد يكون له أثر مدمر يرجعها اقتصاديا لسنوات.
وبالرغم من ذلك التحذير، وبالرغم من الجهود التي بذلتها دول الخليج، مضت أمريكا في الهجوم على إيران، دون اتخاذ إجراءات لدعم دفاعات دول الخليج (بينما قامت بتقوية دفاعات إسرائيل)، ما يعني أن تعريض دول الخليج للقصف كان جزءا من الخطة منذ البداية.
فقصفت أمريكا وإسرائيل مخازن وخطوط نقل الوقود في طهران، ومجمع عسلوية للبتروكيماويات Asaluyeh complex، ومنشآت الطاقة في أصفهان وخورمشهر، وقصفت منشأة نتانز النووية ومفاعل بوشهر الذي يقع على الخليج مباشرة، ما يعرض المنطقة لمخاطر الإشعاع، وقامت إسرائيل بقصف حقل بارس الجنوبي للغاز South Pars Gas Field، وهو أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، ويوفر 80% من حاجة إيران، إلخ.
وحصل ما حذرت منه المخابرات الأمريكية: قصفت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، وهي أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومصافي نفط في الكويت وفي الإمارات، ومصفاة سامرف في ينبع، وهجمت بالمسيرات على مطار الكويت ومطار دبي، كما هجمت على الرياض والمنطقة الشرقية، إلخ.
ويلاحظ أن إسرائيل قامت بقصف حقل بارس الجنوبي للغاز بالرغم من معارضة أمريكا، ودون مبرر لقصفه. وهدف إسرائيل هو دفع إيران إلى قصف حقول النفط في دول الخليج، ما يؤكد أن إسرائيل تعمل على التصعيد ما بين إيران ودول الخليج إلى أبعد مدى ممكن.
وغني عن القول إن قصف أمريكا وإسرائيل لإيران لا يعطيها الحق بقصف دول الخليج التي لم تقم بالاعتداء عليها: فالحرب ليست ما بين إيران ودول الخليج، لكن استدراج دول الخليج جزء من خطة توسيع رقعة الصراع، الذي قد يتحول إلى صراع إقليمي وتصبح عندها جميع الاحتمالات مفتوحة.
وبالرغم من الهجمات الإيرانية فإن دول الخليج لم تندفع حتى تنضم إلى الحرب، لكن، إذا اضطرت دول الخليج إلى المشاركة في الحرب حتى تدافع عن نفسها، فالخوف أن تتم "مساومتها" على الثمن الذي تدفعه مقابل الدعم الذي تحتاجه في مواجهة إيران، أو أن يتم تزويد دول الخليج بمعلومات استخباراتية خاطئة، كما سبق عندما دخلت أمريكا الحرب معتقدة أن النظام الإيراني سوف يسقط وأن الحرب لن تدوم لأكثر من أيام.
وبينما تشترك إسرائيل مع أمريكا في هدف استدراج دول الخليج إلى صراع مع إيران، وتشترك مع أمريكا في هدف إسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته العسكرية.. إلا أن إسرائيل تذهب لأبعد من ذلك: فإسرائيل تهدف إلى تدمير الدولة الإيرانية ذاتها: بدءا بالقيادة الإيرانية والقدرات العسكرية والصناعية، وانتهاء بالمدارس والمستشفيات، وربما تصل إلى حد تقسيم الدولة، ولا يهم إسرائيل إذا كان تدمير إيران أو ردود الفعل الإيرانية على جيرانها قد تؤدي إلى اضطرابات هائلة أو تدمير المنطقة، لأن أحد أهداف إسرائيل هو إضعاف وتدمير جميع الأطراف في منطقة الخليج، وليس إضعاف وتدمير إيران وحدها.
وهدف إسرائيل هو وضع أساس مشروع "إسرائيل الكبرى"، كما نراها تتوسع في احتلال الجنوب اللبناني، بينما سموتريتش: وزير المالية الإسرائيلي الذي يسيطر على المسائل الاستيطانية، وله صلاحيات غير مسبوقة في وزارة الدفاع، يطالب بضم جنوب لبنان.
وأمريكا تريد إنهاء الحرب وإعلان الانتصار في أقرب وقت ممكن، إلا أن إسرائيل تريد استمرار الحرب لأطول مدة ممكنة لاستنزاف إيران ودول الخليج معا، وإشعال المنطقة حتى يتم إفراغها من أي قوة منافسة لإسرائيل، وكذلك إنهاك أمريكا في صراع طويل لم تكن ترغب فيه أصلا... ما قد يؤدي إلى خروج أمريكا عسكريا من المنطقة (نموذج أفغانستان).
وبعدها تحل إسرائيل محل أمريكا كالقوة المهيمنة في المنطقة بلا منازع.
وحتى كتابة هذا المقال في صباح يوم 28 مارس/آذار 2026، فإن نتائج الحرب كما يلي:
انكشاف حدود الهيمنة الأمريكية limits of American hegemony في فترة حساسة يتراجع فيها النفوذ الأمريكي وتزداد فيها الخلافات مع الحلفاء، خاصة الحلفاء الأوروبيين الذين هم على خلاف مع أمريكا بخصوص أوكرانيا، ورفضوا المشاركة معها في الحرب ضد إيران.
وأدت الحرب إلى تصاعد الشعور الوطني الإيراني والالتفاف حول حكومتهم (وهو أمر طبيعي في الحروب)، وبالتالي تم إضعاف المعارضة الداخلية في إيران التي كانت أمريكا تعول عليها لتغيير النظام والإتيان بحكومة إيرانية موالية لأمريكا، أو ربما الإتيان بحكومة موالية لإسرائيل: على رأسها معارض إيراني مقيم في أمريكا.
واضطرت أمريكا إلى رفع الحظر عن شراء النفط الروسي والإيراني حتى تحد من ارتفاع أسعار النفط العالمية... ما أدى إلى ارتفاع إيرادات روسيا وإيران من مبيعات النفط، والأهم بالنسبة لأمريكا أن الدول التي تعتمد على نفط الخليج أصبحت تتطلع نحو النفط الروسي.
ومن ناحية أخرى فإنه - مع اشتعال الحرب الإيرانية - تحول الاهتمام بعيدا عن أوكرانيا التي لم تعد أمريكا تدعمها في حربها مع روسيا، ما يزعج حلفاء أمريكا الأوروبيين بشدة.
أما بالنسبة لحلفاء أمريكا في شرق آسيا: تايوان واليابان وكوريا الجنوبية، فما يرونه من تورط أمريكا في صراع مع إيران، فوق تورطها في صراع أوكرانيا، وإصابة رمز القوة الأمريكية ممثلة في حاملتي الطائرات إبراهام لنكولن وجيرالد فورد، مع عجز أمريكا عن فتح مضيق هرمز أو حسم الصراع مع إيران، جعلهم يشعرون أنها غير قادرة على حمايتهم.
وبصورة عامة، أدت الحرب إلى زعزعة ثقة حلفاء أمريكا الدوليين في جدوى التحالف معها... كما أساءت الحرب إلى صورة أمريكا: فرأى العالم الدولة الأكبر والأهم في النظام الدولي وهي تدخل في حرب تهدد الاقتصاد العالمي دون مبرر أو سند قانوني، وحتى دون مناقشة في الأمم المتحدة، وأنها بدأت الحرب باغتيال جماعي لحكومة إيران بالرغم من تقدم المباحثات بينها وبين أمريكا.. وذلك بعد قيامها باختطاف رئيس فنزويلا، التي لم تكن في حرب مع أمريكا!
كل ذلك طرح تساؤلات حول مصداقية أمريكا وحول "وجود" نظام دولي أصلا، وما إذا كان من الضروري أن تسعى بعض الدول للحصول على السلاح النووي حتى تحمي نفسها.
وازدادت المعارضة الشعبية للحرب في داخل أمريكا: فأسعار الوقود والغذاء والسلع الأساسية وتكلفة سلاسل الإنتاج في ارتفاع مستمر. وزاد من قوة الأصوات المعارضة للحرب أن أمريكا دخلت في حرب مع دولة لا تمثل تهديدا لأمريكا ولا مصلحة لها في محاربتها. وفوق ذلك طلبت الحكومة الأمريكية 200 بليون دولار إضافية لتمويل الحرب، بينما أمريكا تعيش أزمة الديون!
وتصاعدت المعارضة القوية للحرب حتى ما بين أقطاب حركة "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى make America great again"، التي يفترض أنها تمثل التيار المؤيد للرئيس ترامب.
وقد تكشف أن الإدارة الحالية قامت بإفراغ وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي - ومؤسسات هامة غيرها - من كفاءات هامة كان بإمكانها أن توفر النصح الفعال أثناء الأزمة... وأصبح البيت الأبيض يعتمد على أشخاص غير أكفاء لهم علاقة وثيقة مع إسرائيل، خاصة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين استغلا علاقتهما بالرئيس ترامب وتعيينهما ممثلين له لتحقيق مكاسب شخصية والمساهمة في إشعال الحرب، حتى أن إيران رفضت استمرار التفاوض معهما!
كما انكشفت انقسامات هامة داخل الإدارة الأمريكية: فأشارت تقارير إعلامية إلى أن رئيس الأركان، الجنرال دان كين General Dan Caine، أبدى معارضته للحرب، وأن مدير مكافحة الإرهاب، جو كنت Joe Kent، تقدم باستقالته للسبب ذاته، عدا تقارير عن انقسامات أخرى.
والخلاصة أن نتائج الحرب حتى وقت كتابة هذا المقال لا تبدو في صالح أمريكا.
وإيران هي الأخرى خسرت الكثير: فهذه "حرب وجود" بالنسبة لإيران، وقد خسرت الصف الأول - وربما الثاني - من قياداتها، وتزعزعت تحالفاتها، وتعرضت لخسائر بشرية وعسكرية ومادية تحتاج إلى سنوات لتعويضها، كما خسرت فرصة هامة للتقارب مع دول الخليج.
والاحتمال الأخطر بالنسبة لإيران هو أنه إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود، أو إذا شعرت إسرائيل بخطورة كبيرة بسبب الدمار الذي تتعرض له في هذه الحرب، فقد تلجأ إلى القيام بعملية كاذبة false flag operation على الأراضي الأمريكية، ثم تتهم إيران بالقيام بهذه العملية حتى يكون ذلك مبررا لضربة نووية ضد إيران.
أما بالنسبة للعرب، فهم ما بين المطرقة والسندان، والحرب تمثل لهم تهديدا عسكريا واستراتيجيا وخسائر اقتصادية، خاصة بالنسبة إلى دول الخليج التي يراد تدمير اقتصاداتها، والتي انخفضت إيراداتها من بيع النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي أغلقته إيران بعد أن كان مفتوحا، والأخطر تصريح الرئيس ترامب باحتمال سيطرته على مضيق هرمز بالاشتراك مع "آية الله"، وربما السيطرة على النفط الإيراني!
وقد يتم استدراج تركيا أيضا للمشاركة في الحرب، ويتحول الصراع إلى حرب إقليمية.
وهذه الحرب التي بدأت بقصف مستشفى غاندي في طهران وقتل 165 طفلة في مدرسة ابتدائية للبنات، مع حملة اغتيالات وتدمير أهداف مدنية، وبعدها هدد الرئيس ترامب بقصف محطات الكهرباء في إيران... وما كل ذلك سوى جرائم حرب!
فلا بد أن هذه الحرب تشعل الأحقاد والرغبة في الانتقام، وأنها تزيد من خطورة إيران.
ومع العمل على تفتيت إيران من خلال دعم حركة الأكراد الانفصالية وهدم أجهزة إيران العسكرية والأمنية، تصبح الاستراتيجية الأمريكية تابعة بالكامل للأجندة الإسرائيلية التي تعمل على بث الفوضى وتفتيت دول المنطقة... والهدف من كل هذا الدمار هو إعادة رسم خارطة المنطقة وتأسيس "إسرائيل الكبرى"!
فهذه الحرب قد تنتهي بخسارة لأمريكا.. وإيران.. والعرب، ويبقى طرف أوحد مستفيد من الحرب والموت والدمار!