عبدالله علي بانخر

قبل أن يصبح الشق أوسع من الرقع.. وتبقى العلاقات السعودية المصرية فوق الغوغائيات النخبوية والشعبوية

الاثنين - 30 مارس 2026

Mon - 30 Mar 2026



يمر المشهد العربي الراهن بمرحلة مخاض عسيرة، ليس فقط على الصعيد العسكري أو الدولي، بل على صعيد «الأخلاق السياسية» وانحدار لغة الحوار بين النخب التي كان يفترض بها أن تكون حائط الصد الأول ضد الغوغائية والشعبوية. وما يثير القلق والأسف معا، هو أن الانزلاق نحو لغة «التفسخ اللا اجتماعي» لم يعد حكرا على أصوات الدهماء، بل تسلل إلى منسوبي النخب من رجال قانون، وبرلمانيين، وأبواق إعلامية يفترض بها حراسة الوعي لا تزييفه.

إن المتأمل في تاريخ العلاقات السعودية المصرية، يدرك أنها لم تكن يوما مجرد علاقات رسمية تحكمها المصالح العابرة، بل هي وشائج ضاربة في عمق التاريخ، وصهارات ممتدة، وصلات علمية وثقافية صاغت وجدان الملايين. ومن نافلة القول التذكير بوصية المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - لأبنائه حين قال «أوصيكم خيرا بمصر، وأنتم بخير طالما مصر بخير». وهي الوصية التي تحولت إلى عقيدة سياسية سعودية على مدار قرن من الزمان.

لقد سجل التاريخ المعاصر مواقف الفخر للمملكة، ولعل أبرزها وقفة الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز الصارمة بعد نكسة 1967؛ فبينما كانت المنطقة تضج بحدة التلاسن، وتعاني من تدخلات واعتداءات وصلت إلى حد المواجهات العسكرية المباشرة على أراضي المملكة آنذاك، أثبتت القيادة السعودية قدرة فائقة على التسامي فوق الجراح وتجاوز رواسب الصراع. ويذكر الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل في شهادته التاريخية أن المملكة في تلك الحقبة الحرجة لم تكتف بالدعم السياسي، بل فتحت أبوابها للحجاج المصريين واستضافتهم دون اشتراط تحويلات العملة الصعبة التي كانت مصر في أشد الحاجة إليها، في لفتة إنسانية وعروبية تجاوزت بروتوكولات الدول. وحين عرضت الجزائر حاجة مصر للدعم العربي، كانت مقولته الخالدة «مصر تؤمر ولا تطلب» هي المحرك للدعم اللامحدود الذي توج بنصر أكتوبر المجيد، حين أعلن للعالم أن «الدم العربي ليس أغلى من النفط العربي». واستمر هذا النهج في الأزمات كافة، وصولا إلى أحداث 2011 وما تلاها، حيث ظلت السعودية السند والظهير، انطلاقا من إيمان عميق بوحدة المصير.

ومع قسوة الأزمات الأخيرة، تبرز محاولات انحراف وضيعة وانجراف رخيص يسعى لتسميم الأجواء، وتقزيم الدور السعودي، أو محاولة مقارنة الود العربي الخالص بأجندات إقليمية غريبة عن نسيجنا. ومن الظلم البين خلط الأوراق بين مواقف المملكة الثابتة وبين تصرفات طارئة لبعض الأطراف في المنطقة، خاصة في ملفات حساسة كالتطبيع مع العدو الأساسي الذي لا يكف عن زرع الفتن بين الأشقاء.

ولا يفوتنا في هذا السياق، التنبه إلى استمرارية جهات خارجية وقوى إقليمية ودولية دأبت على مر الزمان على «نفخ الكير» في ثوب العلاقات العربية العربية؛ حيث تجد هذه القوى في كل سوء تفاهم عابر فرصة سانحة لصب الزيت على النار، وتغذية الاستقطاب عبر أذرعها الإعلامية والبحثية. إن هذه الجهات تدرك تماما أن قوة العرب تكمن في تلاحم قطبيها «الرياض والقاهرة»، لذا فهي تستميت في محاولات فك هذا الارتباط الاستراتيجي عبر صناعة أعداء وهميين من داخل البيت العربي، وتحويل التباين في وجهات النظر إلى صراعات وجودية تخدم في النهاية أجندات توسعية وتفتيتية لا تريد الخير لأي طرف.

إننا نعول اليوم على حكمة ورشد القيادة في بلادنا «المملكة العربية السعودية» في إدارة هذه الأزمة بقدر من التعقل المعهود، لكننا في الوقت ذاته نحذر من انجراف بوصلة الطبقة المثقفة المصرية وراء تيار الغوغائية. فإذا كان البعض يردد بزهو مستحق «دي مصر يا عبلة» كناية عن عظمتها وقدرها، فإن الرد على شرذمة الغوغائية الذين تطاولوا وتجاوزوا حدود الأدب المهني والسياسي يجب أن يكون بوضوح «دي السعودية يا هبلة»؛ فالمكانة لا تنال بالصراخ، والريادة السعودية ليست مجالا للمزايدة أو الشعبوية الرخيصة.

ختاما، يبقى الأمل في أن يستعيد العقل العربي توازنه، وأن يدرك المخلصون في القاهرة والرياض أن المصير واحد، وأن العبث بهذا المصير هو انتحار جماعي لا يخدم إلا أعداء الأمة. حفظ الله بلادنا العربية، وأدام عز العرب بالأفعال لا بالأقوال.