وحدة المصير المعلنة وتباين المصالح الفعلية
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
قد تبدو فكرة التآخي بين الدول واضحة في نصوص الاتفاقيات، ولكنها تصبح أكثر تعقيدا حين تنتقل إلى مجالات التطبيق السياسي والعسكري.
فاجتماع دولتين أو أكثر تحت مظلة واحدة لا تحققه الرغبة المعلنة وحدها، بل تحكمه اعتبارات جزئية تتصل بطبيعة أنظمة الدول، واختلاف الدساتير، وتباين المصالح، ومدى جدية كل طرف في الالتزام بما يترتب على هذا التوحد.
وتدخل الدول في التحالفات بدوافع شتى تحت مظلة كبرى من المصير المشترك؛ فبعضها يسعى إلى حماية حدوده وصيانة أمنه الاستراتيجي، وبعضها يريد توسيع نفوذه أو تعزيز مكاسبه الاقتصادية والدبلوماسية، فيما قد تختلف الغايات الكامنة وراء هذا الاندماج أو التحالف.
وهذا ما يجعل الدوافع جلية وواضحة في البداية، لكنه لا يضمن استمرار التوافق حين تتغير الظروف والمصالح.
وتزداد الصعوبة عندما تختلف آليات اتخاذ القرار بين الدول. فما تسمح به صلاحيات حكومة قد يحتاج في دولة أخرى إلى إجراءات دستورية أو موافقات تشريعية، أو إلى تقييدات بعض مقتضيات هذا التحالف.
وربما أن ما تراه إحداهما ضرورة تمس وجودها قد تعتبره الأخرى مخاطرة لا تستوجب حجم التضحية المطلوبة. وهكذا يصبح توحيد القرار أكثر تعقيدا من مجرد تنسيق المواقف أو توزيع الأدوار.
ومن المخاطر التي قد تهدد هذه المشروعات التوحيدية أن يبالغ أحد الأطراف في تقدير التزام شريكه، أو يحمله من الأعباء ما يفوق قدرته، أو يتوقع منه تضحيات مباشرة لا يعتقد الطرف الآخر بضرورتها.
وقد يعتقد أحدهما أنه يبني شراكة استراتيجية طويلة الأمد، بينما ينظر الآخر إليها باعتبارها مصلحة محكومة بهدف محدد ومدة تفرضها الظروف.
ويشهد التاريخ الدولي أن التحالفات قد تتماسك أمام الأخطار المشتركة، ولكنها قد تباعد بين أطرافها بعد زوال الخطر أو اختلاف رؤاها بشأن ما ينبغي أن يأتي بعده.
فالمعاهدات، مهما بلغت دقة صياغتها، تستطيع تنظيم الالتزامات وتحديد الحقوق وآليات تسوية النزاعات، لكنها لا تستطيع أن تجمد المصالح أو تمنع تغيير الدساتير أو الحكومات والسياسات وموازين القوى.
لذلك، لا يقاس نجاح التوحد بكثرة الوثائق الموقعة، ولا بقوة العبارات الدبلوماسية، بل بوضوح الأهداف، وتوازن الالتزامات، وعدالة توزيع الأعباء، ووجود آليات قادرة على استيعاب أي خلاف مستقبلي واحتوائه قبل أن يتحول إلى أزمة تهدد الشراكة.
فأخطر ما يواجه مشروعات التوحد أن يعتقد أحد الأطراف أنه دخل شراكة في المصير، بينما يعتقد الآخر أنه أبرم اتفاقا تحكمه الظروف والحاجة الوقتية.
وعندها قد تبقى الوثائق قائمة، فيما تتراجع الروح السياسية والشعبية التي منحتها معناها الحقيقي.
إن التوحد بين الدول ليس قرارا يتخذ مرة واحدة، بل علاقة تحتاج إلى ثبات على المبادئ، وتجديد الثقة، وتوافق المصالح، واستعداد متبادل لتحمل التبعات.
وقد يكون التعاون المؤقت ناجحا في تحقيق غايته، كما قد تصمد الشراكات الاستراتيجية مرات؛ لكن دوام أي منهما لا تصنعه النصوص وحدها، بل تصنعه إرادة سياسية واعية تدرك أن قوة الاتفاق لا تظهر حين تطابق المصالح فحسب، بل حين تتعارض، وقدرة الاتفاق على البقاء ثابتا أمام اختباراتها الأصعب.
shaheralnahari@
