حنان درويش عابد

رمضان كما عرفته بين يدي أبي وأمي

الثلاثاء - 17 فبراير 2026

Tue - 17 Feb 2026

رمضان... ليس شهرا في الذاكرة، بل فصل كامل من الحنين. وحين أسترجع ملامحه الأولى، لا أتذكر الزينة ولا الموائد، بل أتذكر أبي... وأمي.

كان رمضان يبدأ بصوت أبي. ذلك النداء الهادئ قبيل الفجر "قومي يا ابنتي... السحور بركة". وكانت كلماته تختصر فلسفة حياة كاملة؛ البركة في الاجتماع، في النية، في أن نستيقظ معا لنستقبل النور قبل أن يطلع الفجر.

لكن دفء رمضان... كان يبدأ من أمي. كانت تستيقظ قبلنا جميعا، بصمت يشبه الإخلاص. تتحرك في المطبخ بخفة، وكأنها تنسج البركة بخيوط من صبر ورضا. لم تكن تعد الطعام فقط، بل كانت تصنع ذاكرة. رائحة خبزها، ترتيبها للأطباق، حرصها أن يأكل كل واحد منا ما يحب... كل ذلك كان حبا خالصا لا يحتاج إلى إعلان.

أبي كان يعلمنا الصبر بصمته، وأمي كانت تعلمنا الرحمة بابتسامتها. على مائدة الإفطار، كان أبي يرفع يديه بالدعاء قبل الأذان، وأمي تراقبنا بعين ممتنة، وكأن فرحتها في أن ترى أبناءها مجتمعين. لم تكن المائدة فاخرة، لكنها كانت عامرة بالإيمان، بالسكينة، بروح أسرة تعرف معنى الاكتفاء.

في صلاة التراويح، كان أبي يمضي إلى المسجد بخطوات ثابتة، وأمي تمسك بمصحفها، تتلو بهدوء، وتعيش آيات الرحمة وكأنها تخاطبها شخصيا. كنت أتعلم من أبي الانضباط، ومن أمي الحنان، ومن كليهما معنى أن يكون رمضان أسلوب حياة لا عادة موسمية.

واليوم... وقد سبقاني إلى رحمة الله، ما زال حضورهما يملأ الشهر. حين أستيقظ للسحور، أسمع صوت أبي في داخلي. وحين أعد الطعام، أستحضر يد أمي وهي ترتب وتطمئن. حين أرفع يدي بالدعاء، أرى صورتهما أمامي... فأدعو لهما قبل نفسي.

رحلتما... لكن رمضان ما زال يحمل عبقكما في كل زاوية. في الدعاء، في العطاء، في دمعة الحنين التي لا يراها أحد. أسأل الله أن يجمعني بكما في الفردوس الأعلى بلا حساب ولا سابق عذاب، وأن يجعل كل صيام صمناه بعدكما شاهدا لكما لا عليكما، وأن يكتب لكل أب وأم أجر ما غرسوه في قلوب أبنائهم من إيمان لا يذبل.

رحلتما... لكن رمضان في قلبي يبدأ بكما، وينتهي بدعاء لا ينقطع لكما.

hananabid10@