علي المطوع

الطوفان الرقمي

الأحد - 15 فبراير 2026

Sun - 15 Feb 2026


في ظل كثافة ما تبثه وسائل التواصل من معلومات وأخبار وحوادث، يصبح السذج في المجتمعات الإنسانية ممتلئين من الداخل، هذا الامتلاء في جله يكون مع الزمن وتقادمه كالزبد الذي يذهب جفاء؛ كونه معلومات مغلوطة في أصلها، وإن صحت فإنها تكون منزوعة من سياقها المعرفي الذي يجب أن تبقى فيه لتحفظ وتفهم.

قبل ثورة الإنترنت كان المعلوماتيون يسيطرون على المشهد الحياتي كونهم يملكون الحقيقة المجردة كما يزعمون، ثارت الإنترنت وأثارت صخبا لا ينتهي وسيلا هادرا من المعلومات، أصبحت المعلومة في متناول الجميع، ولم يعد الحصول عليها هو القيمة المنتظرة عند الناس، كونها أصبحت موجودة في ذلك الفضاء الرقمي المخيف.

مع هذا المتغير نشأ جيل تمطره الوسائط الرقمية بملايين المعلومات، بعضها صحيح والآخر مجتزأ، وأخطرها ما ليس له أصل، هذا المد الهادر من المعلومات، عطل وسائل التفكير وزاد من سطحية البشر، كونهم ما عادوا يفرقون بين الجيد والأجود والسيئ والأسوأ.

مؤخرا؛ ظهر إلى السطح مصطلح تعفن الدماغ، والذي يعني ببساطة، فقدان التركيز والقدرة على التفكر والتفكير المصاحب للاستهلاك المخيف للمحتويات الرقمية، هذه الحالة تعد من أدواء العصر الرقمي الذي نعيشه نتيجة لهذا الكم الهائل من المعلومات التي تحتويها تلك المواد المرئية، وهذا الأمر سيترتب عليه أشياء خطيرة، لعل أهمها تعطيل العقل والحواس، فلا تصل إلى مستويات ومراتب الوعي والإدراك، التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان الطبيعي.

صناع المحتوى الرقمي المتعفنون دماغيا وأخلاقيا، يمارسون أدوارهم السيئة بترويج تلك الأدواء، وجعلها مستهلكات يومية لإنسان هذا العصر، صانع العفن هذا يقوم بالترويج لقيم مغلوطة من خلال تسليع معلومات خاطئة، قد تكون في أصلها مجرد بيانات جامدة، كانت مرتبطة بمكان قصي وزمان قد ولى وانتهى، هذا التسليع يضمن لصناع ذلك المحتوى الهابط؛ الحضور في وجدان المتلقي كصناع تأثير لم يسبقهم أحد، وأنهم القادرون على سبر أغوار المرحلة وما بعدها، كون حضورهم تجاوز مسألة الحضور ليلامس التأثير عند المتلقي البسيط، الذي كان وما زال يبحث عن السرعة في التلقي والمعالجة والتحليل.

إن تأثير ما يجري على الأجيال البشرية ليعد في حاضره ومستقبله المنظور والبعيد؛ انقلابا فكريا خطيرا على أساليب التعلم وصناعة التأثير، فالمحتوى الرقمي اليوم ما عاد مجرد وسيلة للترفيه والاطلاع فحسب، بل تجاوز ذلك ليصبح معول هدم يضرب الشخصية الإنسانية في أعز ما تملك؛ وهو العقل، الذي أصبح في صورتيه الفردية والجمعية، أسيرا لذلك الطوفان الرقمي، من الغثاء الذي يملأ الوجدان الإنساني بتصورات خاطئة، وحتى وإن صحت فتظل مجتزأة من سياقاتها الصحيحة، لتعاد قولبتها في صور مغلوطة تصادر العقل، وتجعله مجرد حاوية لتلقي الأخطاء، بعيدا عن دوره الوازع في الحكم على الأشياء؛ هذا نافع وذاك ضار.

alaseery2@