خالد العويجان

السودان وغربان الموت

الأحد - 15 فبراير 2026

Sun - 15 Feb 2026



على الأرض مدن، وفي المدن بيوت، وفي البيوت أفراد، يزداد صراعهم مع الخوف كل صباح. لن تنقذهم الدموع ولا عبارات التوسل والرجاء. كل ما بكى الناس؛ ازداد توحش المتوحشين.

في السودان جميع أشكال الألم، وربما أقساها بتاريخ البشرية أن يقتل أب أو أم أمام أعين أطفالهما، فهذا أعلى سقف في الخسة وعدم المروءة وفقدان الرجولة. وأن تغتصب سيدة وذووها يشاهدون؛ فذا أرذل وأقذر أنواع الإرهاب المجرد من الأخلاق والإنسانية.

مؤخرا لجأ الأنذال ومن يمولهم، لممارسة التجويع عبر نهب المعونات الإنسانية المقدمة للشعب السوداني من المنظمات الدولية. فرغوا من بث الخوف والرعب في نفوس شرائح المجتمع السوداني، ونظروا للقمة العيش. يا لقبح مربى ميليشيات الدعم السريع، والمجموعات المتطرفة المتحالفة معها ومن يقف خلفهم.

أعتقد أن ما شهدته مدينة الفاشر، وبشهادة أممية اعتبرتها تقارير الأمم المتحدة، «انتهاكات جسيمة لقانون حقوق الإنسان»، ما هو إلا محاولة من الميليشيات المدعومة من دولة الإمارات، لفرض وجودها كأمر واقع، يجب أن يرتضي به السودانيون عن بكرة أبيهم.

تقول الأمم المتحدة «إن قوات الدعم السريع شنت موجة عنف شديدة مروعة في نطاق وحشيتها، خلال هجومها الأخير للسيطرة على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، مرتكبة فظائع واسعة النطاق، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية».

وتستخلص أن ميليشيات الدعم السريع «نفذت هجمات واسعة النطاق، شملت عمليات قتل جماعي وإعدامات بإجراءات موجزة، وعنفا جنسيا، واختطافات مقابل فدية، وتعذيبا وسوء معاملة، واعتقالا، واختفاء، ونهبا، واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية».

برأيي، إن حالة الشتات السودانية، وانعدام المأوى، ونقص الأغذية والمياه الصالحة للشرب، وسوء الخدمات الصحية للنساء والأطفال وكبار السن، المتزامنة مع أزمة نزوح لم تشهدها السودان في تاريخها المعاصر، لن تحدث دون الإمداد العسكري، والتسليح بأحدث المعدات القتالية والدعم اللوجستي، والتكفل بجلب المرتزقة الأجانب، الذي تقدمه الإمارات لميليشيات الدعم السريع المتطرفة.

في هذا الجانب يجب القول، إنه مهما حاولت أبو ظبي الإنكار، عبر بيانات تصدرها، بأنها تدعم الحل السياسي، وتدعو لوقف إطلاق النار، وتعمل على تقديم مساعدات إنسانية؛ إلا أن ضلوعها المستمر في استمرار نزف الدم السوداني واضح وضوح الشمس، وبشهادة دولية لا يمكن مواجهتها بذر الرماد في العيون.

المفارقة، أن الجميع يعلم ويدرك تلطخ الأيادي الإماراتية التابعة لإمارة أبو ظبي بدم السودانيين. والدولة هناك تعلم بأن الكرة الأرضية ومن عليها من بشر وحجر متيقنون من ذلك. إلا هي في الحقيقة لا تعلم.!

ثمة سؤال منطقي: لماذا تنكر ضلوعها في حرب الإخوة السودانيين إلى أن بلغت هذا المستوى؟ لعدة أسباب، أولا: للهرب من المساءلة القانونية. ثانيا: الخوف من الضغوط الدولية وفرض العقوبات. ثالثا: خشية أن ينعكس ذلك على توتر علاقاتها مع دول الإقليم، ومع الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. رابعا: لأنها تسعى للحفاظ على صورة عامة مزيفة، مبنية على تقديم نفسها كداعم للاستقرار الإقليمي والدولي؛ وأنها وسيط مناسب في حل النزاعات، ومانح رئيسي للمعونات والمساعدات الإنسانية.

بصراحة التدخل الإماراتي المباشر في الأزمة السودانية أسهم باتساع رقعة الحرب، وفرض نفوذ جماعة مسلحة مارقة على الحالة الاجتماعية والسياسية السودانية، وأدى لزعزعة وحدة القرار الوطني، وشرعية مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، الذي يلتئم حوله جميع الأطراف على مختلف أطيافهم ومشاربهم.

لا أعلم متى تستوعب أبو ظبي أن دعم المارقين في السودان، وإطالة أمد الحرب فيها، لن يعالجا بعض العقد الداخلية لديها. ولا أعلم متى يفهم صانع المنهج السياسي الإماراتي، بأن تأييد الحلول السياسية في أي أزمة، يفترض تساوي الأطراف، ويمنع تلقي أي منهم للسلاح والعتاد من الخارج.

وكيف ستواجه اتهامها من قبل لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي، بتأجيج الصراع السوداني، والمطالبة بمنع بيع الأسلحة لها. وما المخرج من صراحة النائبة سارة جاكوبس، التي قالت «الأزمة في السودان كارثية. ملايين الأشخاص على حافة الموت. يجب إخراج جميع الأطراف الخارجية من الصراع؛ بدءا من دولة الإمارات».

أقول: فتح مسرح الدم في الفاشر، وترهيب المدنيين بقتل أكبر عدد منهم، ومحو الحياة من حولهم، بنهج عسكري تنفذه ميليشيات الدعم السريع، يقوم على إيلام من لا يتعاطف معها، ليجزع الآخرين، لن يحول أبو ظبي لكيان أكبر من سياق حجمها السياسي الطبيعي، ولا لحمامة سلام عابرة للقارات.

إن محاولات تفكيك الحقيقة، واصطناع أخرى كاذبة تفوح منها رائحة الدم، بأن المسؤول عما يحدث، ليس من قتل الضحايا، بل من يدافع عنهم، باتت أوراقا مكشوفة للعالم أجمع، ولا جدوى من تسويقها لأنها ولدت مفضوحة.

من الجهل إسناد الراغبين بإقامة دولة على جماجم الأطفال والنساء. الخشية من تكريس مفهوم قيام الميليشيات على الأخلاق. حينها ربما تولد أحد صورها بجانب القصور الشاهقة!

لن تركن الأرض في السودان، ولن تركع، ولن تخضع النفوس، سيكبر ذلك الصغير، الذي شاهد سفك دم أهله بلا ذنب.

لن يكبر خائفا، بل سيحقد؛ ويثأر.. من غربان الموت.