اليمن وتجاوز الحصاد المر
الاثنين - 26 يناير 2026
Mon - 26 Jan 2026
ألوان الشر سبعة، أحدها الأحمر، المرتبط بالدم، وهو الأخطر دون شك، موازين القوى تستفيد منه وتتغذى عليه، والمرتزقة كذلك، تلك المعادلات لئيمة ولعينة، تعاني منها الدول؛ أو الأقاليم المرتبكة والهشة غير الثابتة. ربما تحرقها. تعتقد ثلة أن المجتمعات محكومة بها، وأن الشرعيات تقاس بقواعدها، وأنها تدخل بتعريف علاقة الإنسان بالوطن، ولها دور في تشكيل الانتماء من عدمه.
كل تلك القوانين حاضرة في اليمن، لكن الجنوب له قصص وحواديت خاصة، لأنه يمر بمرحلة مفصلية وحساسة. جنوب اليمن يملك قضيته واضحة المعالم، ذلك ما دفع البعض للتفكير بالسعي لإعادة تموضعها من سياسية إلى عسكرية.
ما الذريعة؟ استعادة الخريطة تحت إطار القضية الأم. والحقيقة أنها - أي القضية الجنوبية - بقدر ما هي محقة وعادلة، بقدر ما تعاني من اختراقات مكشوفة أهمها: تبنيها والقفز عليها ليس بناء على حقوق أبناء الجنوب، بل لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية لأفراد مدفوعين من دول إقليمية.
عاش عيدروس الزبيدي دور البطل. تنفع هو وزمرته المنقذة. وبالنهاية فر وترك الجميع في خندق واحد. أعتقد أن مؤشرات واقع المرحلة، تحتم بالضرورة تجاوزه كشخصية لا تستحق دخول التاريخ.
التقى الجنوبيون في العاصمة الرياض. تحاوروا بكل شفافية بغطاء سعودي. رفع العلم، وعزف السلام الخاص بدولة الجنوب اليمني. وهذا له دلالة واضحة، ما هي؟ أن السعودية تؤمن بالمطالب المحقة لتلك الشريحة، وأنها ستتبنى مخرجات الحوار، أيا كانت، المهم أن تلبي تطلعات أبناء الجزء اليمني الكريم.
وبناء على ذلك، يفترض القول إن حوار الرياض الذي اجتمع على طاولته الجنوبيون، يجب أن يشكل محطة تاريخية، تكفل المعالجة الشاملة والعادلة للملف الجنوبي، الذي تؤمن به المملكة كما يؤمن به اليمنيون، ما يستدعي عدم التفريط بهذه اللحظة التاريخية.
فهذه اللحظات التاريخية تتطلب أعلى درجات المسؤولية الوطنية، من جميع القيادات والشخصيات الجنوبية، وضرورة التعامل الواعي والمسؤول مع دعم المملكة، ورعايتها للحوار، بما يضمن استثماره بصورة فعالة، تخدم المصالح الوطنية، وتضمن استقرار كيان الدولة.
برأيي المشهد واضح، فقد حاول عيدروس الزبيدي جاهدا حتى بعد هروبه، شق الصف واستغلال القضية، وأصر على تنفيذ أجندات خارجية، مرتبطة بمصالحه الشخصية، ما أسهم دون أدنى شك، بالإضرار بذلك الملف العادل، متجاهلا الالتفاف من أبناء حضرموت وعدن والمهرة، حول الموقف السعودي، الذي يضمن في نهاية المطاف، استقرار المنطقة وصونها، عبر تعميم حالة السلام والتآخي لا التنافر والشقاق.
ثم إن الصورة التي خرج بها المذكور الهارب، تتنافى مع ما يتم الترويج له في بعض وسائل إعلام أقل ما يقال عنها أنها تقاد بحجج وعقول الأغبياء. إذ تم تصوير أن عددا من المدن اليمنية شهدت مظاهرات خرجت تأييدا له، وذا غير صحيح.
السؤال: إلى هذه الدرجة يتم استغفال الشعب اليمني؟ ولهذا القدر يتم الاستهانة باليمنيين، من خلال حرف الحقائق عن سياقها، وصناعة رأي عام مزيف، مفاده أن بعض اليمنيين نزلوا إلى الشارع، لدعم من ثبت ارتكابه أفعالا مجرمة وفق قانون الجرائم والعقوبات اليمني، خيانته العظمى للدولة، والمساس باستقلال الجمهورية، وتشكيل عصابة مسلحة، وقتل ضباط وجنود القوات المسلحة؟ الجواب يعلمه الشرفاء في اليمن.
صحيح أن السنوات الماضية أفرزت واقعا معقدا في عموم الدولة، وعلى وجه الخصوص في الجنوب اليمني. ومن هذا المنطلق، فالأمر يحتم على المكونات السياسية الواعية رفع لواء الوطن، وتجاوز الخلافات الضيقة. فإن لغة التصعيد غير مفيدة وليست مجدية. وأحسب أن القيادات التي جاءت رغبة منها في حل الأزمة للرياض، كفيلة بأن تتبنى لغة حوار، يعد الأجدى والأقل تكلفة، من أجل نيل الحقوق والحفاظ على المكتسبات الوطنية المشتركة.
أتمنى أن يدرك العقلاء، بأن استثمار الدعم الإقليمي الذي تقدمه المملكة العربية السعودية للفئات اليمنية كافة، ليس تنازلا عن أي ثابت من الثوابت، ولا يعتبر تفريطا بتطلعات الشارع اليمني، أعني الجنوبي.
كل ما في الأمر، أن الحاجة باتت ملحة، لبناء رؤية تؤسس لمرحلة قادمة، أكثر استقرارا ونماء. والاستفادة من الدروس والتجارب السابقة، التي أكدت أن شتات الرأي، وغياب الوفاق، وإقصاء الآخر، لم ولن تؤدي إلا لمزيد من الانقسام، الذي تضرر منه المواطن اليمني، ودولته.
إن ما على اليمنيين الإيقان به، بأن السعودية شقيقتها الشمالية الكبرى، لم تحاول ولم تفكر يوما ما، التكسب من جارتها الجنوبية، ذات الأهمية الاستراتيجية، على المستوى الجيوسياسي والاجتماعي والثقافي والبشري والتاريخي.
السعوديون ولدوا وترعرعوا على موروث أسس علاقة خاصة مع اليمنيين، شماليين أو جنوبيين. تلك القصة التي يجب أن يصدقها الشارع اليمني بمكوناته وأطيافه كافة.
وقبل ذلك العمل على منع التشرذم، والتشتت، والانقسام، وبيع الخرائط، والتصدي للمأجورين بثمن بخس وحفنة زهيدة من الدولارات كالزبيدي، بحمل عناوين الوطن، لا تلك العابرة للقارات، التي لا تريد الخير لا لليمن ولا لشعبه الحر الأبي، الذي أثبت للعالم تحضره وقوته، بالتلاحم والترابط ووحدة الصف.
حينها سيتمكن الجميع من تجاوز ما يمكن تسميته.. الحصاد المر.