خالد العويجان

اليمن وفشل محاولات ابتلاع أحشاء البيوت

الأحد - 11 يناير 2026

Sun - 11 Jan 2026



في العالم كثير من الخونة والجبناء والمرضى، ممن لا يستحقون، ولا يجدرون بحكم أنفسهم، لا حكم دول بملايين البشر. في هذا العالم الكئيب؛ يسقط معتوه أو يفر، ليظهر آخر، والشعوب هي الضحية.

في الجزء الخاص بنا من الكون، عديد من الشخصيات التي أعني، هم قابعون في أسفل وأقذر صفحات التاريخ، لا داعي لإخراجهم من تحت الركام، هو المستقر الذي يليق بهم، وسيرهم الذاتية، وسنين حكمهم. هؤلاء سرعان ما يحل بمواقعهم الشجعان.

اليمن تجاوزت قبل أيام بركانا عنيفا. ظهر صوت الحق أخيرا بعد الباطل. تبددت أحلام مزيفة. أشرقت الشمس جزئيا، في بلاد أنهكتها النزاعات.

استفاقت المدن اليمنية على قرار جريء؛ مفاده حل المجلس الانتقالي لنفسه، وأذرعته وهيئاته وأجهزته كافة. إنه خطوة شجاعة وانتصار سياسي للقضية الجنوبية، التي تاجر بها الكثير من المراهقين سياسيا، وعلى رأسهم «الفأر الفار» إلى أبو ظبي. أعني عيدروس الزبيدي، الذي اشترى وباع بالقضية اليمنية لحسابه الشخصي، لا لأجل أبناء الجنوب الشرفاء.

حتما إن الأزمة الأخيرة التي حلت باليمن كشفت عن قدر كبير من الحكمة والوعي السياسي، الذي تتمتع به شخصيات كانت تنتمي للمجلس، وقد برهنوا بما لا يدع للشك مجالا، إدراكهم لحساسية المرحلة التي تمر بها البلاد، ما استدعى توحيد الصف، ورفع لواء الوطن، على حساب تنحية الخلافات الشخصية جانبا.

ثمة ما يمكن استنباطه مما حدث. مثل ماذا؟ الثقة الكبرى التي تحظى بها المملكة من قبل المكونات الجنوبية. والحقيقة أنها - أي الرياض - لم ولن تتخلى عن الملف اليمني بالمجمل، والقضية الجنوبية على وجه الخصوص، وهي التي تحملت الأعباء السياسية، المبنية على إيمان بضرورة تحقيق تطلعات أبناء الجنوب وإرادتهم الحرة. والدليل، محاولتها لم الشمل في مؤتمر من المقرر أن يلتئم في العاصمة السعودية، ويحضر على طاولته شخصيات وقيادات جنوبية، لمناقشة قضيتهم، دون إقصاء أو إبعاد لأحد.

أستطيع الجزم أن شريحة كبرى من الرأي العام في اليمن ككل، تؤمن بمصداقية المملكة، وأنها العمق الاستراتيجي المناسب لهم، بعيدا عن بعض الدول التي أثبتت تقديم رغباتها على إرادة الإنسان اليمني.

تلك الشريحة التي أقصدها، أيقنت لا سيما بعد تخلي الزبيدي عن فريقه في أحنك الظروف التاريخية، وتنصله من مسؤولياته الأخلاقية والوطنية، وممارسته مخادعة أبناء جلدته، عبر اتخاذه قرارات انكشف أنها تهدف لخدمة مصالحه الشخصية، وأجندات من قام بتوظيفه، وممارسة الترهيب للاستفراد بالسلطة، وإقصاء الآخرين، أن ذلك النهج أضر بقضيتهم، وأسهم في حرفها عن سياقها الصحيح.

دون أدنى شك، إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، ورفض جهود التهدئة وإنهاء التصعيد، والتداعيات الخطيرة التي حلت لاحقا، أكدت أن المجلس كان أداة بيد الجبان الهارب، ما قاد العقلاء في ذلك الكيان، للتفكير خارج الصندوق، وإقرار حل المجلس.

السؤال: ما فوائد القرار؟ إنهاء ازدواجية السلطة. تقوية مركز الدولة. الانزواء في إطار حكومة شرعية معترف بها دوليا، ومدعومة من دول الاعتدال إقليميا. الاستفادة من شرعية الحكومة. منع النزاعات الداخلية. زيادة فرص الدعم والاعمار.

بالنظر إلى إعلان قيادات المجلس الانتقالي عن حل المجلس نفسه، تبرز نقطتان هامتان. الأولى: موجهة للداخل؛ وتنبع من تأكيد القيادات أنها لم تشارك في اتخاذ قرار إطلاق العملية العسكرية في حضرموت والمهرة، والذي أسهم بشق الصف الجنوبي. وهو بمثابة إعلان براءة من القتل وتلطيخ الأيادي بدماء أبناء الوطن، وإلقاء المسؤولية على الزبيدي وزمرته، الذين لو لم تتدخل السعودية، حولوا هذا الجزء الغالي من اليمن إلى بركة دماء.

النقطة الثانية: وهي موجهة للخارج - للسعودية تحديدا -، وتتمثل بالاعتراف بأن ما حدث تسبب بشرخ في العلاقة مع تحالف دعم الشرعية، والذي تقوده المملكة، وقدمت تضحيات من أجله، ناهيك عن الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لليمن، منذ تأسيسه.

أعتقد أن تأكيد أبناء ومكونات المحافظات الجنوبية على رفضهم القاطع لأي إجراءات أحادية تمس جوهر القضية الجنوبية، وأن الحل يجب أن يكون نتاج حوار مؤسسي وشامل، يضمن مشاركة القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية كافة، ويعكس الإرادة الشعبية والتوافق الوطني، هو الرؤية الصحيحة للحصول على استحقاقات سياسية، تكفلها عدالة قضيتهم، لا نهج طرق ملغومة، تفقدها مكاسبها التاريخية.

إن الحوار الذي ترعاه المملكة، هو المنصة والركيزة، التي بالضرورة أن ينطلق منها الجنوبيون، كونه مؤسسا على حفظ حق الشعب الجنوبي في استعادة دولته، وفق إرادته وتطلعاته، ويحقق الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

قال وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بوضوح «أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه المملكة؛ ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض، الذي نسعى من خلاله لجمع إخوتنا أبناء الجنوب؛ لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة، بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم». الرسالة السعودية واضحة. يجب على اليمنيين فهمها.

وعليهم إدراك أن من دفعوا لخلق الشقاق بينهم، ومن دفع لهم، وجهان لعملة واحدة. لا يهمهم لا اليمن ولا اليمنيين.

جميعهم حاولوا ابتلاع أحشاء البيوت.. وفشلوا.