X
مرزوق بن تنباك

المقدمات الطللية في النثر

الثلاثاء - 02 أغسطس 2022

Tue - 02 Aug 2022

نحن الذين نشتغل في الأدب وفي النقد والشعر خاصة نضع مقدمات طويلة عمّا نسميه الوقوف على الأطلال، حيث يبدأ الشاعر قصيدته في غرض من الأغراض ويستهلها بالوقوف على الأطلال وتذكر ما كان فيها وينظر إلى المدن والآثار ووصف الديار يبكي ويستبكي ويسرد القصيدة الطويلة والمعلقة الأطول وهو لا يذكر الغرض ولا يشير إليه إلا في نهاية القصيدة.يتحدث عن رحلته وإضناء الراحلة ومشقة السفر وتعرضه للمهالك وهول المخاطر التي واجهته في طريقه إلى ممدوحه الذي يأتي على اسمه وغرضه في أبيات قصيرة قد لا تزيد على بيتين أو ثلاثة من القصيدة التي قد تبلغ سبعين بيتا يختم بها معاناته وسفره ويفصح فيها عن غرضه من الرحلة وشوقه إلى ممدوحه وأمله فيه، وهذا كله في الشعر وليس في غيره من فنون القول وأغراضه، ولم يذكر النقاد والدارسون للأدب العربي مقدمات طللية في النثر ولو قلت لهم أن في النثر طلليات مثل الشعر لأنكروا ما تقول أشد الإنكار وأنا منهم.

وعادتي مع الكتب التي أشتري أو تهدى إلي من الأصدقاء والزملاء المرور على المقدمة والخاتمة وإذا وجدت فيهما ما يوجب الاطلاع على الفصول في داخل الكتاب عدت إليه وقلما أقرأ الكتاب كاملا إلا في حالات نادرة، ولأن لكل قاعدة شواذ كما يقول الأصوليون فقد تلقيت أمس كتابا سطره كاتبه في النثر في لغة أدبية رائعة قلما تقرؤها حتى عند فحول الأدباء المتخصصين في الوقت الحاضر.

وهي قطع نثرية طبق المؤلف عليها شروط المعلقة الطللية في الشعر، وحول النثر فيها إلى شعر في بيانه وخياله واستعارته وكناياته لا ينقصه غير الوزن والقافية وإلا لأصبح شعرا تسير به الركبان، ولم أفتح كتابا للقراءة ويلهيني ولا أشتغل بغيره حتى أكمله غير هذه الطللية النثرية.

ورغم أن كل طللية من هذه الطلليات تنتهي نهاية مأسوية محزنة وهو الفناء الأبدي للممدوح بدل العطاء والمنح في طلليات الشعر، وأنا أكره الفناء ولا أحب الحديث عنه ولا أتحمل المآسي رؤية أو تصورا ومع ذلك تحملت ما لا أحب من أجل ما أحببت.

كان بيني وبين الكاتب مشترك موضوعي ومعرفي عن أكثر الناس الذين تحدث عنهم في كل طللية إما معرفة مباشرة بهم أو معرفة عنهم، وبيننا مشترك مكاني حيث تدور أكثر أحداث الرواية التي ينقلها في مدينة أعرفها وأعرف أهلها، وسأترك ذكر اسمه وعنوان كتابه حتى آخر هذا المقال تقليدا له وما يفاجئ القارئ به عند كل نهاية قصة تنتهي نهاية لا بد منها، وجزاء له وردعا لأمثاله الذين يحاولون تغيير ما عرفه النقاد وألفه العرب ويبدعون فيما اختاروا تغييره.

تحمل كل قطعة علاقة المؤلف بشخصية يترجم لها ويبني كلامه للمجهول ويسرد أحداث القصة ورواياتها ويشد القراء بما يصف ما بينه وبين من يترجم له ويلهيك بأسلوبه ويغريك بالمتابعة لتعرف من يريد وتستمر بشوق لاكتشاف الشخص الذي هذه صفاته ثم يباغتك بالاسم ومعه القطيعة الأبدية بينهما.

احترت كثيرا في هذا العمل هل الرجل يكتب قصة سيرية أو غيرية وكدت أتصل بالزميل الدكتور صالح الغامدي أبي السرد وأستاذ السير في جامعة الملك سعود وأستفتيه على أي الحالين يكتب هذا الكاتب وكيف يصنف عمله الأدبي، عرفت المؤلف لماما وعرفت عنه كثيرا وأعرف أهله وعشيرته فخاله مؤرخ وأديب وعالم وقاض يوصف بالرفق والعدل رحمه الله، وأسمع عن أبيه خيرا ولم أره، وأعرف ثلاثة من أشقائه شعراء وأدباء وبعضهم زملاء متميزون في فنون الأدب ومتخصصون في غيره من العلوم، ويبدو أن الدكتور المعماري والعالم الآثاري زاهر عبدالرحمن عثمان أبت عليه حرفة الأدب إلا مشاركة الأشقاء حظهم.

وفي النهاية أنصح من يعز عليه فقد الأصدقاء والزملاء والإخوان ومن يخشى مفاجئات القدر ألا يقرأ (ورق من ناس) وألا يقلد الدكتور زاهر فيما أخذ به من أسلوب، وليس كل ناصح يطاع.

Mtenback@