X
خالد عمر حشوان

الكلمة الطيبة وآثارها الإيجابية

الخميس - 11 نوفمبر 2021

Thu - 11 Nov 2021

تعودت دائما أن أبدأ مقالاتي بتعريف عن الموضوع الذي أختاره، وفي هذا المقال سأبدأ مغايرا لعادتي السابقة؛ لأن الجميع يعرف معنى الكلمة الطيبة، وبدايتي سوف تكون لقصة مؤثرة بدأت عندما كنت في زيارة لعميل في مكتبه، وكنا نتبادل الحديث عن الكلمة الطيبة وآثارها على المجتمع، فسرد لي العميل قصته التي حصلت له في طفولته قبل ما يقارب 40 عاما من ذلك الوقت وما زالت راسخة في ذاكرته، عندما كان يدرس القرآن ويحفظه في بلد عربي شقيق على يد إمام الجامع الذي يقع في الحي الذي يسكنه.

ونظرا لعدم وجود دخل ثابت للجامع تلك الأيام لتغطية احتياجاته، طلب منه الشيخ مرافقته في زيارة إلى السوق القريب من الجامع لجمع التبرعات من التجار، وكانت زيارتهم مختلفة لكل تاجر؛ فمنهم من يتبرع، ومنهم من يعتذر لسوء حالة السوق، ومنهم من يطلب مهلة لعدم وفرة المال إلى أن وصلوا إلى تاجر (فظ غليظ القلب) حسب وصفه؛ فعرض عليه الشيخ أن يتبرع للجامع بما تجود به نفسه، فقال له التاجر: افتح يديك، ففتح الشيخ يديه وبصق التاجر في يدي الشيخ وهو يضحك، فقال له الشيخ: هذه لي، ومسح بها وجهه ثم قال: وماذا لديك تقدمه لله؟ فتغير وجه التاجر وأحنى رأسه إلى الأرض خجلا من الشيخ ثم قام وفتح خزانة المتجر وقال للشيخ: خذ ما تريد ولن أتردد.

بالطبع عندما سمعت هذه القصة، جال في خاطري أمور كثيرة كنت أفكر فيها عن هذا الشيخ الفاضل وتصرفه الجميل وحكمته في التعامل مع الموقف الصعب والكلمة الطيبة التي استخدمها ثم توصلت إلى نقاط مهمة هي:

- كيف سخر هذا الشيخ نفسه لطاعة الله وجمع التبرعات وتحمل المشقة من أجل استمرار نشاط الجامع.

- صبر الشيخ على أعذار التجار بغض النظر عن صحتها من عدمها بلا كلل أو ملل.

- تحمل الشيخ لتصرف التاجر السيئ وكبح جماح غضبه في هذا الموقف الصعب.

- تصرف الشيخ وردة فعله السريعة والحكيمة التي وفقه الله فيها والتي هي درس لنا جميعا.

- كيف استطاع تذكير التاجر بالله وجعله يندم ويغير موقفه السلبي إلى موقف إيجابي في لحظة.

- ولا أنسى اصطحابه للطفل معه لتعليمه الصبر والتضحية من أجل أعمال الخير وهو دور الصالحين.

هنا أيقنت أن الكلمة الطيبة سهم يخترق القلب ويستقر فيه دون أذى، وهي تفتح أبواب الخير على مصراعيها لصاحبها، وأنها هداية من الله وفضله على عباده المؤمنين، وأن المسلم لابد أن يجعل فمه عطرا لا يصدر منه إلا طيب الكلام، لأن ظمأ القلب لا يطفئه إلا الكلمة الطيبة بفضل الله.

هذا بالإضافة إلى آثار الكلمة الطيبة في توليد الطاقة الإيجابية لسامعها وردة فعله الحسنة بعد ذلك، وهو عكس ما يحدث من آثار للكلمة الخبيثة في توليد الطاقة السلبية وتأثيرها السيئ على العلاقات الاجتماعية للفرد والمجتمع.

وهنا أيضا تذكرت قول الله تعالى في سورة إبراهيم «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار (26)».

هنا شبه الله عز وجل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة الراسية في أصلها وكيف تمتد فروعها في السماء بثمارها المفيدة، وشبه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة التي لا فائدة منها واقتلعت من أصلها وليس لها قرار.

وهو ما أكده رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله (مثل المؤمن مثل النخلة، ما أخذت منها من شيء نفعك) وهو وصف للمؤمن الذي لا يصدر منه إلا الطيب من الأقوال والأفعال ويتعالى عن أسافل الأمور راجيا بذلك رب العزة والجلال وأما تشبيهه صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمن بالنخلة؛ لأنها شجرة مباركة الأجزاء ينتفع بعروقها وجذعها وأوراقها وثمارها الطيبة وكل ما فيها.