X
ياسر عمر سندي

استجداء العطف الخيري

الأربعاء - 15 سبتمبر 2021

Wed - 15 Sep 2021

شرع الخالق جل وعلا المواسم الدينية؛ كشهر رمضان المبارك وما يتبعه من عيد الفطر السعيد، وموسم الحج الأكبر وما يتبعه من عيد الأضحى المبارك؛ لتحقيق غايات إنسانية عظيمة ومقاصد تشريعية جليلة؛ رحمة بالإنسانية وتمييزا للمسلمين؛ لإحداث التجديد والتغيير النفسي والمجتمعي عليهم؛ والتقرب فيما بينهم بتقديم الحمد والشكر لرازقهم وولي نعمتهم، بسلوكيات لفظية وفعلية وإيمائية بالكلمة الطيبة وبذل الصدقات والزكوات بأنواعها ورسم الابتسامة ولين الجانب؛ لتحقيق التكافل والتواصل الاجتماعي، وكذلك تطهيرا لأموالهم من تكنيزها وحكرها؛ ولأنفسهم من دنسها وشحها.

الشاهد أن استغلال هذين الموسمين تحديدا أصبح لغايات دنيوية أكثر من أنها دينية؛ بإبراز كلمات وصور إيحائية للأيتام والأرامل وكبار السن والمعوقين؛ فتظهر وسائل التواصل الاجتماعي والصحف المختلفة المرئية والمسموعة والمكتوبة للتسول بنمطين الأول عصري كإظهار ملصقات لأطفال ونساء وشيوخ وفاقدي أطراف يبكون بملابس رثة لاستجداء العطف؛ والثاني تقليدي لتجد مجموعة من المتسولين يبرعون في التمثيل عند الإشارات والأسواق؛ للنصب بالقول والفعل والجسد.







النمطان أطلق عليهما أساليب التخلص المادي من المتصدق والمزكي على المستغل العاطفي والكاذب المستجدي.

لا أقصد مما أسلفت كف يد المتبرع عن نيته الخيرية ومنع المتلقي حقه الشرعي، وإنما رسالة تنبيه وتوعوية أوجهها إلى الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأفراد كذلك ومن في حكمهم من الجهات التي تتحصل على التبرعات بأن هنالك أساليب وأوجه خير تنموية عديدة يحتاج إليها أفراد المجتمع أجمع تساعدهم وتدعمهم؛ فالمحتاج والمكتفي والفقير والغني في كل منطقة ومدينة يتطلعون لسد عوزهم كل بحسب متطلباته الاقتصادية والفكرية والإنسانية، فهنالك الحاجة للمال أو الكسوة أو للسكن أو للتنمية والثقافة والمعرفة والدعم الطبي.

في هذا العصر المعرفي يحتاج المجتمع إلى تبني الفكر المستجد بالاستدامة العامة؛ والمغاير عن السابق بالتحرر عن أفكار عقيمة عفا عليها الزمن لتحصيل الصدقات والزكوات؛ حتى أصبحنا نرى الاستعدادات والتجهيزات المسبقة لمواسم وأفراد محددين وكأنه ماراثون البطولة لأكثر الجهات المؤثرة في استجداء العطف.

من وجهة نظري أقترح إنشاء صندوق للدعم المجتمعي على مدار العام تحت مظلة هيئة عليا مجتمعية مرتبطة بوزارة الموارد البشرية أو صندوق الاستثمارات العامة ورجال أعمال من كل منطقة ومدينة لمتابعة إخراج الصدقات والزكوات تعمل بمؤشرات أداء KPIs للاستثمار في المصارف الخيرية ومراقبتها مثل «مشروع تبني المعرفة» أو «مشروع تنمية المهارات العامة» أو «مشروع العمل اليدوي كالحرف والصناعات والهوايات» أو «إنشاء مراكز رعاية صحية وطبية للحالات الخاصة كالتوحد ومتلازمة داون والعوق الفكري» للتعاون مع الدولة رعاها الله ولتغيير الصورة الذهنية في انحسار الحاجة فقط للأيتام والأرامل والمطلقات والمتسولين؛ والتي ارتبطت مسمياتهم بفكرة الدفع الموسمي المحدد.

بلا شك أن هناك الكثيرين ممن يحبون الخير لمجتمعاتهم؛ الأمر الذي يتطلب أيضا لتغيير الفكر والوعي بأن مواضع الخير متعددة ويمكن توجيهها إلى طريقها الشرعي والقانوني أيضا لما يرتضيه المولى عز وجل وتوافق عليه الدولة حتى لا يتم استغلالها وتوجيهها إلى غير مقاصدها؛ فالحاجة كما أسلفت ليست مجرد الحصول على المال؛ فهنالك الكثير من أبناء المجتمع الذين يتطلعون إلى التكاتف الجمعي والمجتمعي لإشاعة الخير بمختلف أنواعه وأساليبه.

همسة لمن له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد.. الخير لا يعم ولا يسود في أي مجتمع؛ إلا إذا تغيرت مفاهيم من يقوم عليه ويتبناه ويوجهه التوجيه السليم بنية صادقة وجهد مبذول وخطة مدروسة؛ بأفكار إيجابية تتوافق وتواكب عصرنا الراهن مع من يدعمها ويرعاها ليقدمها فعلا لمستحقها لا أن يستجدي العطف الخيري ويستغلها.

Yos123Omar@