X
علي المطوع

غربان المنظومات الإدارية

الاثنين - 03 مايو 2021

Mon - 03 May 2021

استحوذ الغراب كطائر في ثقافتنا العربية على جل الصفات الكريهة، ومشاعر البغض التي يأنفها العرب ويكرهونها، فهو رمز للتشاؤم لونا ومخبرا، ومن اسمه تشتق الغربة والاغتراب والغريب، فهذه المفردات تمثل معاناة إنسانية خالصة قلما نجا أصحابها من تبعاتها النفسية والاجتماعية.

في البيئات الإدارية هناك غربان ناعقة يعلو صوتها خارج مناطق تأثيرها المفترضة، كونها قد وجدت لنفسها خط تواصل مباشرا مع بعض النافذين في تلك المنظومات، هذه الأفضلية الخاطئة تجعل تلك الغربان من يشكل الصورة التي تذهب إلى الأعلى، ليتم من خلالها وضع الخطط وصنع التوجهات وتفعيل التوجيهات، وهنا يكمن الخطأ، كون صناعة القرار في المنظومة تصبح أسيرة لمعلومات مغلوطة وملغومة، مبعثها الحسد والكره القادمان من الأسفل، وبالتالي يبني صانع القرار كل حركاته الإدارية عليها، والتي يظن ويؤمن بأنها هي الأساس الصحيح والمنطلق العملي لتصحيح مسار هذه المنظومة وإعادة ترتيبها.







عوامل كثيرة تصنع هذه الغربان وتوفر لها أوكارا وبيئات لتنمو وتتكاثر، ولعل أهمها تعطش المسؤول حديث التجربة في المنظومة للمعلومة، التي يبني عليها تصوراته القادمة والتي تساعده على البدء في العمل المثمر والناجح، وهنا يجد هذا المسؤول نفسه أمام شخصيات قميئة تقتحم عالمه الإداري والعملي وربما الخاص، من خلال استهدافه بضخ معلوماتي مشبوه يعتمد على الكذب والتزييف واجتزاء الحقيقة وإخراجها من مسارها وسياقها الإداري والأخلاقي، ليتم تقديمها وجبة وشائية تثير حفيظة هذا المسؤول وحنقه، وتجعله أسيرا لمنهجية تصادمية مع أشخاص نزهاء لا ذنب لهم سوى أن تلك الغربان كانت وما زالت تراهم حجر عثرة في طريق تحقيق أهدافهم المشبوهة والمخالفة للأنظمة واللوائح في تلك البيئات.

هذه الغربان في أغلبيتها الساحقة تتحسس الخطأ، وتحاول نسبته لشخص بعينه، بل ربما تقوم بصنع هذا الخطأ واستحداثه وذلك لتسليط الأضواء على بعض الشخصيات الفاعلة في تلك البيئات، في محاولة منها لإقصائها طمعا في الوصول إلى مكانتها، أو الحصول على مكتسبات مشبوهة في تلك المنظومات لا تقبلها سياسات العمل ولا إجراءاته، وقبل ذلك المواقف الأخلاقية التي يؤمن بها الأسوياء الذين يقدمون المصلحة العامة على ما سواها من مصالح.

وقد تتسلق تلك الغربان السوداء معتمدة على بعض العلاقات الاجتماعية المتوارثة، وتحاول مع مجيء كل مسؤول إداري جديد أن تحيي شيئا من العصبيات الممقوتة في هذا المسؤول، فمرة من خلال إحياء بعض صورها وجعلها منطلقا للتعاون والتعاضد في وجه كل مختلف، وإن تطلب الأمر تأطير هذا المختلف في صورة المخالف الذي ينبغي نفيه وإبعاده، ومرة من خلال دعاوى مغلوطة تغلف بالنخوة والنصرة وطلب النجدة والمساعدة.

هذا غيض من فيض الصور والتجاوزات التي تمارسها الغربان في الأوساط الإدارية وطريقة حضورها وتنفيذها وتأثيرها، لكن تبقى نقطة أخيرة ينبغي على المسؤول الأعلى والأكثر إدراكا أن يعيها ويؤمن بها، وهي أن الشغف في بيئات الأعمال يختلف من قائد إلى آخر، البعض منهم يختزل هذا الشغف في صور نمطية وشكليات سطحية، والبعض يراه ويريده في تلك النقلات التي تأخذ المنظومة والعاملين عليها إلى آفاق أبعد ومنجزات أكثر، الصنف الأخير قدوته تكون في المميزين السابقين واللاحقين أصحاب التجارب الناجحة والضمائر الحية، أما الآخر فيظل أسيرا لأسراب الغربان تلك، والتي ستحكم على تجربته بالفشل قبل أن تبدأ وبالخراب بعد البدء كمآل منتظر ونهاية حتمية ومتوقعة، وصدق الشاعر حين يقول (إذا كان الغراب دليل قوم، سيهديهم إلى دار الخراب).

@alaseery2