X
سالم الكتبي

تفجيرات العراق والحرب ضد الإرهاب

الاثنين - 01 فبراير 2021

Mon - 01 Feb 2021

جاء التفجير الإرهابي الآثم الذي وقع في ساحة الطيران بوسط بغداد مؤخرا ليؤكد للعالم أن الحرب ضد الإرهاب لا تزال قائمة ولم تضع أوزارها، فهذا التفجير الانتحاري لم يستهدف تقويض أمن العراق والعراقيين فحسب، بل استهدف أيضا تذكير العالم بأن التنظيمات الإرهابية لا تزال خطرا يستحق البقاء في دائرة الاهتمام رغم كل انشغالات المجتمع الدولي بمكافحة وباء «كورونا» وما تبعه من خسائر بشرية وآثار اقتصادية مدمرة على كثير من دول العالم.

إحدى الحقائق التي أنتجتها الحرب ضد الإرهاب أن الصراع مع هذه الظاهرة البغيضة هو صراع ممتد، يراوح بين شد وجذب، وأن بقاء البيئات الحاضنة والمحفزة للإرهاب والإرهابيين في بعض الدول تُبقي هذه الأنشطة الآثمة على قيد الحياة وتمدها بالأوكسجين اللازم لاستمرارها، ولو بشكل أقل وبقدرات عملياتية محدودة لمجرد إثباث القدرة على البقاء.







من الوارد في ظل تشابك وتعقيد البيئة الأمنية العراقية أن تحدث «خروقات» كما وصفها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي تشير تصريحاته إلى أنه يدرك جيدا الثغرات التي تسمح بتمرير مثل هذه الخروقات، ما يعني أنه سيتعامل بجد مع هذه الثغرات والسيطرة عليها لتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، رغم أن الأمر ليس بالسهولة التي قد يتخيلها البعض في ضوء تشابك الأطراف والعلاقات وتعقد التحالفات والمصالح على الساحة العراقية.

والحقيقة أنه يجب الاعتراف بأن العراق يحقق تقدما ملحوظا في الصراع ضد الإرهاب وهزيمته واستئصال جذوره، والتفجيران الانتحاريان الأخيران ليسا سوى عملية قذرة يمكن الحيلولة دون تكرارها رغم خسائرهما البشرية الكبيرة، ومن يشكك في ذلك عليه أن يتذكر أن تنظيم «داعش» الذي تبنى التفجيرين كان يسيطر على مساحة شاسعة من أراضي هذا البلد العربي الكبير، في إطار ما كان يسمى بـ»دولة الخلافة» المزعومة، التي كانت تسيطر على نحو 88 ألف كلم مربع في منطقة تقع بين شرق العراق وغرب سوريا، ويقطنها نحو ثمانية ملايين شخص، ومن ثم ليس مفاجئا أن ينفذ هذا التنظيم الإرهابي أو غيره مثل هذه العمليات الإجرامية في ظل وجود نحو عشرة آلاف من أعضائه - بحسب تقديرات الأمم المتحدة - ما زالوا ينشطون في كل من سوريا والعراق، ويمثلون مصدر خطر داهم حيث عادوا إلى مخططاتهم البدائية القائمة على محاولة نشر الذعر وتعطيل مظاهر الحياة الطبيعية، والادعاء بقدرة التنظيم على البقاء في دائرة الضوء باعتباره مصدرا للخطر والتهديد.

ورغم تعدد الرؤى والتحليلات والتفسيرات المرتبطة بهذين التفجيرين الآثمين والجهة التي تقف وراءهما، سواء كانت «داعش» أو أطرافا أخرى، فإن الضحية في جميع الأحوال هو الشعب العراقي الذي يعاني جراء الصراعات الطائفية والتدخلات الإقليمية وما تنتجه هذه البيئة المعقدة من تداخلات بين ما هو أمني وما هو سياسي، فضلا عن احتمالية تشارك المصالح بين مختلف القوى التآمرية التي تسعى للنيل من العراق والعراقيين في إطار تحالفات دموية بغيضة.

الحقيقة أنه ليس مهما من نفذ هاتين الجريمتين الآثمتين، اللتين أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته عنهما، فالأهم هو هدف هذه التفجيرات وتوقيتها، لأن الأمر لا يرتبط بمجرد رسالة لإثبات وجود هذا التنظيم الإجرامي، بل إن الهدف الأكبر هو محاولة التأثير في جهود الحكومة العراقية الحالية على صعيد مكافحة الإرهاب وتحقيق السيطرة الأمنية على البلاد، وإبقاء السلاح بيد الدولة العراقية سبيلا وحيدا لا مفر منه للقضاء على نفوذ الميليشيات وفوضى الانقسامات الطائفية التي تغري بالاحتكام إلى العنف ولغة السلاح.

من المعروف أن إحدى معضلات العراق تكمن في وجود السلاح بيد الميليشيات والتنظيمات وتداخل شبكات المصالح والتحالفات، ما يجعل الأمر بالغ التعقيد، فهناك أطراف عديدة لا تريد للعراق استقرارا في هذه المرحلة ولا غيرها، وتريد الإبقاء على الصراع الطائفي كشبح يخيم على أجواء هذا البلد العربي الكبير بشكل مستمر، والأمر لا علاقة له باستهداف للشيعة أو السنة لأن التجربة كشفت عن أن هؤلاء الإرهابيين لا علاقة لهم بالأديان والمذاهب، فهم عصابات مرتزقة تجلب الأتباع من كل حدب وصوب بهدف الحصول على الأموال وأهداف أخرى عديدة لا علاقة لأي منها بالدفاع عن مذهب أو دين أو شعب أو غير ذلك من المزاعم التي يرددونها والشعارات التي يرفعونها.

والخلاصة أن تفجيرات العراق جريمة إرهابية مدانة، يجب أن يدفع مرتكبوها الثمن دون الاستغراق أو الانشغال بالنقاش حول هويتهم، فالإرهاب أثبت أنه شبكات مصالح وتحالفات لا تعمل بمفردها، بل يخدم بعضها بعضا، يتحالفون تارة ويتصارعون تارة، بحسب عوامل ودوافع معينة، وبحسب توظيفهم كأدوات تعمل لمصالح أطراف ترعى هذه الظاهرة البغيضة في هذه الدولة أو تلك. وعلى المجتمع الدولي الذي نسي أو تناسى الحرب ضد الإرهاب أن يعيد إدراج هذا الخطر والتهديد المزمن على أجندته مجددا، وأن يقدم الدعم اللازم للحكومة العراقية كي تضطلع بدورها في مكافحة هذه الظاهرة البغيضة والحيلولة دون وقوع العراق مجددا بين براثن القوى الطائفية التي تعبث فيه فسادا منذ سنوات طويلة.

drsalemalketbi@