X
سالم الكتبي

خطر الأسلحة «الميليشياوية»

الاحد - 24 يناير 2021

Sun - 24 Jan 2021

يمثل انتشار الميليشيات في منطقة الشرق الأوسط أحد أهم أسباب تفشي الفوضى وعدم الاستقرار في هذه المنطقة، ويدرك الباحثون والمتخصصون أن أزمات المنطقة ترتبط إجمالا بوجود أذرع ميليشياوية تابعة بشكل مباشر لدول أو مدعومة من دول أخرى ماديا وعسكريا، حيث تخوض هذه الميليشيات حروبا وصراعات وتشن هجمات تجعل من استعادة دور الدولة الوطنية صعبا للغاية، ولا سيما في حالات مثل اليمن وليبيا وغيرهما.

وفي مثال صارخ لخطر الميليشيات والصراع القائم بين الدولة واللا دولة في منطقة الشرق الأوسط، كشفت دراسة صدرت مؤخرا عن مركز بيغن ـ السادات للدراسات الاستراتيجية في تل أبيب أن ترسانة «حزب الله» اللبناني من المقذوفات تعد أكبر من ترسانة معظم جيوش حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأضافت الدراسة أن التقديرات تشير إلى أن «حزب الله» يمتلك نحو 130 ألف قذيفة، بما في ذلك صواريخ «كروز» الأسرع من الصوت، وصواريخ أرض ـ بحر، حصلت عليها ميليشيات الحزب من مستودعات أسلحة الجيش السوري في السنوات الأخيرة، ونوهت الدراسة إلى أن الميليشيات تحاول أيضا تطوير قدرات باليستية دقيقة بدعم من إيران.







السؤال الآن: هل يُعقل أن يبقى المجتمع الدولي، ممثلا في مؤسسات الأمن الجماعي، بعد كل التجارب التاريخية المؤلمة مع الحروب والعنف، صامتا مكتوف الأيدي مكتفيا بإصدار بيان أو قرار بين الفينة والأخرى لإدانة هذا السلوك أو شجب هذا التصرف من دون أن يتحرك بشكل فعلي لردع الأطراف التي تهدد الأمن والسلم الدوليين وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة ومبادئها وتستخف بالقوانين والأعراف الدولية؟

وقد كان لافتا للغاية أن يمر حديث بعض القادة والمسؤولين الإيرانيين في وقت سابق عن احتلال أربع عواصم عربية من دون أي تعليق من مسؤول دولي، لذا فقد جاء الرد على هذا الصمت المريب، صريحا من الجانب الإيراني بالتمادي في سياساته التدخلية وزيادة التمويل العسكري والتسليحي والمالي الإيراني للميليشيات التي يرعاها الملالي في العراق واليمن ولبنان وسوريا.

والحقيقة أن «حزب الله» اللبناني يمثل إحدى الحالات الصارخة التي تفضح عجز المجتمع الدولي من ناحية وتحدي نظام الملالي للقانون الدولي من ناحية ثانية، فهذا الحزب الذي يمثل أحد أذرع إيران الخارجية، كان أول تجارب الملالي في بلورة استراتيجية الحرب بالوكالة، وتم استنساخه فيما بعد في دول عربية أخرى بقدرات تسليحية متفاوتة تتوقف على عوامل عدة لسنا بصدد مناقشتها في هذا السياق، ولكن يبقى «حزب الله» النموذج الأكثر وضوحا لهذه الاستراتيجية الإيرانية البغيضة، سواء لأنه بات قوة تختطف الدولة اللبنانية بأكملها لمصلحة الممول والراعي الإيراني، أو لأنه بات يمثل مصدر تهديد بتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية بتدخلاته في سوريا وعلاقاته المشبوهة مع ميليشيات مسلحة أخرى في المنطقة، فضلا عن تسببه في دمار وخراب الدولة اللبنانية مرات عدة بخوضه حروبا غير متكافئة مع إسرائيل، التي تعتبر الحزب مصدر تهديد قوي لأمنها واستقرارها، بما يجعل أمن الدولة والشعب اللبناني رهينة لأهواء وأغراض حسن نصرالله زعيم هذه الميليشيات الذي سبق أن اعترف بولائه التام والمطلق للمرشد الإيراني الأعلى، حيث أعلن في سبتمبر 2019 صراحة وعبر كلمة متلفزة أنه ليس على الحياد إذا تعرضت إيران لأي حرب، وشدد على الولاء لخامنئي وقراراته، ليضع لبنان، هذا البلد العربي الذي لا تنقصه المشاكل والصراعات، في مواجهة لهيب أي حرب يريدها الملالي ولا يريدها اللبنانيون!

اللافت أن يبقى العالم صامتا على مخطط ملالي إيران حتى تحولت مخازن أسلحة «حزب الله» على الأراضي اللبنانية إلى ترسانات تفوق تلك التي تمتلكها بعض جيوش حلف الأطلسي، والخطر في هذه الحالة لا يطال إسرائيل فقط، بل يطال الدولة اللبنانية ذاتها لأن الحزب يوظف هذه القوة المدمرة سياسيا في الداخل حيث يقوم بفرض كلمته بقوة السلاح واستعراض هذه القوة بين الفينة والأخرى، وتحديدا حين يستشعر أن هناك حاجة لانتزاع مزيد من النفوذ على الساحة اللبنانية، كما يطال هذا الخطر المنطقة العربية بشكل عام لأن تمدد الحزب قد أغرى الملالي باستنساخ النموذج في بلدان عربية أخرى، وبات «حزب الله» اللبناني المرجع الأساسي للميليشيات التي ينشرها الملالي ويمولونها ويزودونها بالأسلحة في اليمن والعراق وسوريا وغيرها.

في اليمن، هناك نموذج آخر للانتشار الميليشياوي الذي يرعاه ويموله نظام الملالي الإيراني، حيث اختطفت ميليشيات الحوثي الإرهابية عاصمة الدول اليمنية وبعض أقاليمها، ولا تزال تقاوم محاولات استعادة الشرعية الدستورية، بل وتقوم بين الفينة والأخرى بشن هجمات عسكرية على أراضي المملكة العربية السعودية، وفي العراق أيضا نماذج أخرى مستنسخة من «حزب الله»، ما يؤكد أن القضاء على معظم مشاكل الشرق الأوسط ومعضلات غياب الأمن والاستقرار تبدأ من القضاء على هذه الفوضى الميليشياوية وترسيخ مفهوم سيادة الدولة، لأن انتهاك هذه السيادة كان ولا يزال يمثل أحد أسباب الفوضى غير الخلاقة التي تعيشها دول عربية أخرى عدة.

drsalemalketbi@