X
مرزوق بن تنباك

القصور والصعوبة فينا

الثلاثاء - 29 ديسمبر 2020

Tue - 29 Dec 2020

المتنبي شاعر طارت الركبان بشعره وحكمه، حتى إنك لا تكاد تجد محمدة أو مذمة في سلوك الناس إلا وتذكر لهذا العبقري بيتا يضرب مثلا فيها، وقد أنشد بيتا في يوم بؤسه الذي صادف عيدا لم يكن له فيه عيد: (عيد بأي حال عدت يا عيد)، ولم يصبح وصفه لعيده البائس مثلا فحسب، بل صار لازمة في كل عيد يمر على الناس في غير مسرة، فتلهج ألسنتهم بعيد أبي الطيب وتنطلق الأقلام تعيده وتكرره، وكأنه لم يقل غيره من الشعر. ومضى ألف عام ليس فيها ند يماثله ويتردد في كل مناسبة تتكرر ويتكرر معها البيت البائس، حتى فتح الله على حافظ إبراهيم، فقال البيت الذي أصبح يوازي بيت المتنبي وينافسه على ألسنة المنشدين (وسعت كتاب الله لفظا وغاية)، في وصفه لشكوى اللغة العربية وجحدان أهلها لفضلها، وكان بؤسها كما كان بؤس المتنبي، فحيث صار عيد الاهتمام باللغة كل عام صار مناسبة للنوح عليها ورثاء حافظ لها بين أهلها وترديد قصيدته أو بعض أبياته.

وفي الأسبوع الماضي مر يوم الثامن عشر من ديسمبر الذي أصبح عيدا للغة العربية، إذ في ذلك اليوم من عام 1973، أصدرت الأمم المتحدة قرارها رقم 3190 باعتماد اللغة العربية ضمن لغاتها الرسمية، بعد طلب تقدمت به المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، فوافقت الأمم المتحدة واعتمدت الثامن عشر من ديسمبر يوما عالميا للغة العربية، وأصبح يتكرر الاحتفال به كل عام.







وبدل أن يكون يوم عيدها تمجيدا لها وتحبيبا بها وبحثا في تطورها وسلاستها وسهولتها، صار تفتيشا عن صعوبتها وقصورها وعجز أهلها عن فهمها، وتفضيل غيرها من اللغات عليها، وفيه امتلأت أعمدة الصحف والواتس اب (الوثاب)، والتغريد بالبكاء عليها من أهلها الذين لم يعد لديهم ما يصنعونه في أكثر قضاياهم، ومنها لغتهم، غير العويل وترديد النواح والتفنن بالرثاء الذي برعوا فيه، وكان حظ اللغة من بكائهم كبيرا على كل حال.

قالوا كثيرا عن اللغة، مدحوا وذموا واستشكلوا ورددوا وصفها لحالها على لسان حافظ إبراهيم، وذهبوا كل مذهب يبحثون ما يستطيعون فعله من أجل لغتهم، كل أدلى بدلوه وذكر سببا يراه معقولا للجفاء الذي تعانيه من أهلها قبل أعدائها.

بقي سبب واحد لم يتعرضوا له، وهو القرار السياسي الذي غيبته الأقدار عنها، فاللغة أيها الإخوة قرار سياسي أولا وأخيرا، بدأت به عندما أصدر الخليفة عمر بن الخطاب قراره الأول لصالح اللغة، وقال قوله المشهور: اقرؤوا القرآن بلغة قريش، وكذلك عمل الخليفة عثمان حين جمع الناس على مصحف كتبه بلغة قريش، وأوصى كتابه إذا اختلفت اللغات فترجح لغة قريش، فاللغة هوية وقيمة معنوية قبل أن تكون تواصلا، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما جاء في الأثر المشهور.

وقصور اللغة ليس فيها ولكنه قصور أهلها الذين رغبوا عنها واختاروا لغات غيرها في التعليم والإدارة والتعامل، وقالوا في نحوها وصرفها وصعوبة تعلمها ما لم يقله مالك في الخمر، وهم ظالمون لها معتدون على حقها، أميون في مبادئها يتهمونها بما لا يعرفون عنها، فليست هناك لغة عاجزة ولا لغة صعبة، ولكن هناك قرارات سياسية تحترم اللغة وتعدها جزءا من السيادة التي تحافظ عليها وتقاتل من أجلها ولا تقبل منازعة ولا مساومة فيها، ولا تكون راغبة عنها ومتعلقة بغيرها، كما يفعل العرب الذين يفرضون اللغات الأجنبية في الجامعات العربية وفي كل التخصصات العلمية النافعة التي يلتحق بها الطلاب المتميزون، فيشغلونهم عن لغتهم بلغات ليست لهم ولا يلزمهم التعلم بها.

ليس في العربية قصور ولا صعوبة، القصور والصعوبة فينا نحن أبناءها. والسلام.

Mtenback@