X
ياسر عمر سندي

العضباء والقعود

الأربعاء - 23 ديسمبر 2020

Wed - 23 Dec 2020

الدنيا أحوال وكما قيل في المثل العربي القديم «دوام الحال من المحال»، هذا المثل يعطينا شيئا من الهدوء النفسي والاستقرار المشاعري على ظروفنا وحالنا وواقعنا الذي نعيشه، وحين نتأمل في: البشر والحجر والشجر والحيوانات والحشرات، من المفترض أن نعي نحن المكون الأول، ما أكرمنا الله وأعزنا به بعقولنا على باقي المكونات، وذلك دلالة على إعجاز الخالق جل وعلا في سريان سنته الكونية على الطبيعة البشرية وغيرها مما يشاركنا كوكبنا، لإنفاذ رسالة إلهية وهي إعمار الأرض بكل الأشكال والألوان والطبائع والعادات للمخلوقات، المتفاوتة في قوتها وتأثيرها، المتباينة في خلقتها وتدبيرها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

هنالك قصة حصلت في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، تؤكد لنا ما سلف ذكره، من أن الدنيا لها شؤون، وأنها بطبعها متغيرة ومتبدلة.







العبرة تكمن في أبطال القصة، الناقة التي تسمى العضباء، وصاحبها سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، والتي اشتهرت بقوتها في السباقات التي كان يجريها العرب في الصحراء آنذاك، ولم تكن تغلب العضباء أي دابة من فصيلتها قط، والبطل الآخر هو القعود الذي جاء صاحبه الأعرابي طالبا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتسابق قعوده مع العضباء.

وافق عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، واستعد الصحابة والحضور متلهفين لمشاهدة هذا التنافس بين قعود صغير السن والحجم صاحبه أعرابي بسيط غير معروف، والناقة العضباء في قوتها وبنيتها التي تعود لأشرف خلق الله حسبا ونسبا.

أخبر عن ذلك الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه في حديثه الذي رواه، قال: كانت ناقة لرسول الله تسمى: العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء، فقال رسول الله: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه».

وفي السيرة أنه كان الحماس واضحا وحسن الطالع ظاهرا على ملامح الحاضرين، استشرافا بالنتيجة المسبقة، وهي الانتصار بتفوق، وكان الحضور يتبسمون بنوع من الإقلال بالأعرابي وقعوده الصغير الذي لا يكاد يحتمل مشقة هذا النزال، في صورة ذهنية لمحاولة مواساة ذلك الصحراوي على السباق، حيث انطلق القعود وانطلقت معه العضباء، وبدأ القعود لأول وهلة وكأنما يسابق الريح في سرعته وبجواره العضباء تجاهد في رمال البيداء، والناس يصرخون في مشهد المنتصر الواثق أمام المتراجع الخافق، حتى بدت لهم العضباء متثاقلة الخطوات، وأثارت القلق بإصرار القعود الصغير بأن تقدمها وتفوق عليها، وجعل بينه وبينها مسافة، وأعلن فوزه وكسبه للسباق والأنظار تلاحق الألسن، في صورة بين متعجب ومتسائل: كيف تنهزم ناقة الرسول؟ كيف يفوز قعود صغير للأعرابي؟ لماذا أخفقت العضباء؟

الشاهد من ذلك الموقف أن الغالب الأعم من السلوكيات البشرية والصور الذهنية القابعة من التنشئة الوالدية والمكتسبة من المجتمع ومؤسساته المختلفة، تربي وتعزز أن البقاء دوما للأقوى، وهذا خلاف الطبيعة البشرية والدنيوية، وكما قيل في المثل «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، فأمور الدنيا جميعها لا يستمر بقاؤها ولا يستقر حالها، فليس هنالك غني دائم وفقير سائم أو نجاح مستمر ونعيم مستقر، فالتغير والتغيير والتذبذب من سمات الحياة والناس والطبيعة بصفة عامة.

الموقف علمنا درسا أخلاقيا وسلوكيا عميقا من سيد الخلق، أولا تجسيد سلوك التواضع الجم والبساطة، وثانيا ليس هنالك قوي إلا وهناك من هو أقوى منه، ثالثا البعد عن التباهي المذموم بضمان المعرفة والعلوم، رابعا تظهر الأخلاق حال الخسارة بظهور الاحترام والالتزام، خامسا إعطاء الفرصة للأصغر سنا من الشباب الواعد في ميادين الحياة، سادسا الخبرة الذهنية وحدها لا تكفي، خاصة في الأمور التطبيقية التي تحتاج إلى قوة بدنية وعضلية، فجميعها سلوكيات مستفادة من العضباء والقعود.

@Yos123Omar