X
عبدالله الزرقي

«الله يخلي أبلا هبة!»

الأربعاء - 09 ديسمبر 2020

Wed - 09 Dec 2020

قالتها بمنتهى الثقة بعد أن رفعت حاجبا ورخت الآخر مع تشميقة (وهي حركات لا إرادية تصدر في حالة الامتعاض)، تتمدد فيها البراطم إلى أعلى مستوى، وذلك حسب لياقة برطم كل سيدة، ومدى استخدامه طوال العام أو حتى العمر كله، يصاحبها شقلبات للعيون تتحول فيها المرأة إلى زومبي للحظات قليلة، وهذه التشميقة هي نوع من الاستعلاء والاستغناء عن خدمات الشخص المقابل، ولدى النساء فيها أسرار ومآرب كثيرة، يستخدمنها في مناح عديدة من ردات الفعل.

أتتها ابنتها تشكو إليها أن المعلمة أغلقت قاعة الدرس عن بعد، وذلك لأن بقية البنات (مِفَهيين – بمعنى غير مركزين)، وأن المعلمة غضبت غصبا شديدا وتركتهن ومصيرهن المحتوم بلا درس وبلا شرح.







لم تتمالك الأم أعصابها واتخذت قرارها سريعا معطية الأوامر لابنتها بالذهاب على اليوتيوب والبحث عن أبلا هبة لتكملة شرح الدرس الذي حرمتهم إياه معلمتهن.

تدخل الأب محاولا تهدئة ذلك الجنرال العسكري الغاضب، إلا أنه جوبه هو الآخر بحملة من القذائف الصاروخية اللسانية التي تسلحت بها زوجته وأم بناته، لتنهي المعركة لصالحها، فما كان منه إلا أن سألها: أين مواعين الطهي التي تريدينني أن أنظفها؟ وهو نوع من الاستسلام وترك أرض المعركة للمنتصر.

كادت المعركة أن تحتدم وتتطاير فيها صحون المطبخ وتستخدم فيها جميع الطناجر والقدور، بما فيها طنجرة المحشي ومحتوياتها التي كانت بمثابة القنابل اليدوية الساخنة، لولا لطف الله، حتى ظهر صوت أبلا هبة وهو يلعلع وهي تفعل الأفاعيل على شاشتها الصغيرة، وتشرح كل شاردة وواردة وتعيد الهدوء الحذر إلى المنزل.

لم يكن في حسبان الزوج المسكين أن زوجته كانت مثقلة بأعباء إضافية غير أعباء المنزل، جعلتها في حالة هيستيرية جراء تلك الطلبات التي لا تتوقف عن بعد، وكأن المعلمات أردن عقاب الأمهات بتلك الطلبات، بل والتنمر عليهن بالتوقف عن شرح الدرس والخروج من قاعة الدرس الالكترونية.

تلك المعلمة التي أغلقت قاعة الدرس كادت أن تصب الزيت على النار بتصرفها اللا مسؤول، وهي لا تدرك أن البيوت تعيش حالة استنفار مع البنات والأولاد لتلقي العلم من مصادره، وليس استعارته من أماكن أخرى كحالة الإسعاف المنقذ أبلا هبة.

أبلا هبة التي ضربت أروع الأمثلة في الصبر والحلم والخبرة والمعرفة، هي أيضا تعطي درسا للمعلمات اللاتي تنصلن من واجبهن الأخلاقي وتركن عواطفهن تتحكمن بهن ولحالتهن المزاجية كي تقرر عنهن.

العجيب أن الأبناء ليس لديهم كل تلك التعقيدات وأصناف البيروقراطية التي لدى بعض المعلمات، ولا نعمم في هذه المسألة.

التعليم عن بعد كشف لنا بعض الجوانب النفسية والمهنية التي تعيشها بعض المعلمات، ومدى قدراتهن في إيصال المعلومات، وصبرهن وحلمهن على الطالبات، بل وتنظيمهن أيضا لقاعة الصف.

بعض الفوضى التي تصدرها بعض الطالبات تعجز بعض المعلمات عن إيقافها، خاصة في الصفوف الابتدائية، وذلك إما لضعف في الشخصية أو عدم معرفة التعامل مع تطبيقات مثل منصة تيمز Teams باستخدام خاصية التسكيت Mute، وتعليم الطالبات الاستئذان قبل الإجابة بدلا من علو صوت بعض الطالبات الدوافير (وهن الطالبات المجتهدات خاصة من بنات بعض الأشقاء العرب)، مما يفوت الفرصة على الطالبات ذوات القدرات المتفاوتة، لعدم قدرتهن على المشاركة، وهذا فيه ظلم للبقية بعدم إتاحة الفرصة للجميع.

مع امتناننا لجميع المعلمين والمعلمات، إلا أننا نعد أنفسنا مكملين لهم ولهن، وليسمعوا منا بدون تحسس، فالتعليم أعظم مهنة وصنع الأجيال أمانة في رقابهم ورقابهن، والأجر العظيم الذي ينالونه من الله هو أعظم أجر، ونطمع أن يزيد أجرهم بتقبل النقد بصدر رحب.

unzorgi@